فصل: الرِّسَالَةُ فِي الرَّهْنِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الأم ***


الرِّسَالَةُ فِي الرَّهْنِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ مَتَاعًا فَقَالَ لَهُ‏:‏ ارْهَنْهُ عِنْدَ فُلاَنٍ فَرَهَنَهُ عِنْدَهُ فَقَالَ الدَّافِعُ‏:‏ إنَّمَا أَمَرْته أَنْ يَرْهَنَهُ عِنْدَك بِعَشَرَةٍ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ‏:‏ جَاءَنِي بِرِسَالَتِك فِي أَنْ أُسَلِّفَك عِشْرِينَ فَأَعْطَيْته إيَّاهَا فَكَذَّبَهُ الرَّسُولُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّسُولِ وَالْمُرْسِلِ وَلاَ أَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَلَوْ صَدَّقَهُ الرَّسُولُ فَقَالَ‏:‏ قَدْ قَبَضْت مِنْك عِشْرِينَ، وَدَفَعْتهَا إلَى الْمُرْسِلِ، وَكَذَّبَهُ الْمُرْسِلُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْسِلِ مَعَ يَمِينِهِ مَا أَمَرَهُ إلَّا بِعَشَرَةٍ وَلاَ دَفَعَ إلَيْهِ إلَّا هِيَ، وَكَانَ الرَّهْنُ بِعَشَرَةٍ، وَكَانَ الرَّسُولُ ضَامِنًا لِلْعَشَرَةِ الَّتِي أَقَرَّ بِقَبْضِهَا مَعَ الْعَشَرَةِ الَّتِي أَقَرَّ الْمُرْسِلُ بِقَبْضِهَا‏.‏ وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا فَرَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلٍ، وَقَالَ الرَّسُولُ‏:‏ أَمَرْتنِي بِرَهْنِ الثَّوْبِ عِنْدَ فُلاَنٍ بِعَشَرَةٍ فَرَهَنْته، وَقَالَ الْمُرْسِلُ‏:‏ أَمَرْتُك أَنْ تَسْتَسْلِفَ مِنْ فُلاَنٍ عَشَرَةً بِغَيْرِ رَهْنٍ وَلَمْ آذَنْ لَك فِي رَهْنِ الثَّوْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ وَالْعَشَرَةُ حَالَّةٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَقَالَ‏:‏ أَمَرْتُك بِأَخْذِ عَشَرَةٍ سَلَفًا فِي عَبْدِي فُلاَنٍ، وَقَالَ الرَّسُولُ‏:‏ بَلْ فِي ثَوْبِك هَذَا أَوْ عَبْدِك هَذَا الْعَبْدُ غَيْرُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْآمِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ، وَالْعَشَرَةُ حَالَّةٌ عَلَيْهِ وَلاَ رَهْنَ فِيمَا رَهَنَ بِهِ الرَّسُولُ وَلاَ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ الْآمِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْ إلَّا أَنْ يُجَدِّدَا فِيهِ رَهْنًا وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَدَفَعَ الْمَأْمُورُ الثَّوْبَ أَوْ الْعَبْدَ الَّذِي أَقَرَّ الْآمِرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِرَهْنِهِ كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا وَالثَّوْبُ الَّذِي أَنْكَرَ الْآمِرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِرَهْنِهِ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ وَلَوْ أَقَامَ الْمُرْتَهِنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْآمِرَ أَمَرَ بِرَهْنِ الثَّوْبِ وَأَقَامَ الْآمِرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَمَرَ بِرَهْنِ الْعَبْدِ دُونَ الثَّوْبِ وَلَمْ يَرْهَنْ الْمَأْمُورُ الْعَبْدَ أَوْ أَنَّهُ نَهَى عَنْ رَهْنِ الثَّوْبِ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ الْمُرْتَهِنِ وَأَجَزْتُ لَهُ مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ رَهْنًا لِأَنِّي إذَا جَعَلْتُ بَيْنَهُمَا صَادِقَةً مَعًا، لَمْ تُكَذِّبْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُرْتَهِنِ بِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ أُكْرِهَ بِرَهْنِهِ قَدْ تَكُونُ صَادِقَةً بِلاَ تَكْذِيبٍ لِبَيِّنَةِ الرَّاهِنِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ رَهْنِهِ وَلاَ أَنَّهُ أَمَرَ بِرَهْنِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُنْهَى عَنْ رَهْنِهِ بَعْدَ مَا يَأْذَنُ فِيهِ وَيَرْهَنُ فَلاَ يَنْفَسِخُ ذَلِكَ الرَّهْنُ وَيُنْهَى عَنْ رَهْنِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَ ثُمَّ يَأْذَنُ فِيهِ، فَإِذَا رَهَنَهُ فَلاَ يُفْسَخُ ذَلِكَ الرَّهْنُ، فَإِذَا كَانَتَا صَادِقَتَيْنِ بِحَالٍ لَمْ يُحْكَمْ لَهُمَا حُكْمُ الْمُتَضَادَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ لاَ تَكُونَانِ أَبَدًا إلَّا وَإِحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ‏.‏

شَرْطُ ضَمَانِ الرَّهْنِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدًا بِمِائَةٍ وَوَضَعَ الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ حَدَثَ فِي الرَّهْنِ حَدَثٌ يُنْقِصُ ثَمَنَهُ مِنْ الْمِائَةِ، أَوْ فَاتَ الرَّهْنُ أَوْ تَلِفَ فَالْمِائَةُ مَضْمُونَةٌ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ مَا نَقَصَ الرَّهْنُ مَضْمُونٌ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ عَلَى الَّذِي عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ رَهْنَهُ أَوْ يَضْمَنَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَا نَقَصَ الرَّهْنُ كَانَ الضَّمَانُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَاقِطًا؛ لِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الضَّمَانُ إلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ؛ أَلاَ تَرَى أَنَّ الرَّهْنَ إنْ وَفَّى لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِشَيْءٍ وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ فِي شَرْطِهِ فَيَضْمَنُ مَرَّةً دِينَارًا وَمَرَّةً مِائَتَيْ دِينَارٍ وَمَرَّةً مِائَةً وَهَذَا ضَمَانٌ مَرَّةً وَلاَ ضَمَانُ أُخْرَى وَضَمَانٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلاَ يَجُوزُ الضَّمَانُ حَتَّى يَكُونَ بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ، وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً رَهْنًا بِمِائَةٍ وَضَمِنَ لَهُ رَجُلٌ الْمِائَةَ عَنْ الرَّاهِنِ كَانَ الضَّمَانُ لَهُ لاَزِمًا، وَكَانَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِضَمَانِهِ دُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَقِيلَ يُبَاعُ الرَّهْنُ، وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ إلَى أَجَلٍ فَزَادَهُ فِي الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ رَهْنًا فَرَهَنَهُ إيَّاهُ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَالدَّيْنُ إلَى أَجَلِهِ الْأَوَّلِ‏.‏

تَدَاعِي الرَّاهِنِ وَوَرَثَةُ الْمُرْتَهِنِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ وَادَّعَى وَرَثَتُهُ فِي الرَّهْنِ شَيْئًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ لَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ حَيًّا فَاخْتَلَفَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ وَرَثَةِ الرَّاهِنِ، وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ فَادَّعَى الرَّاهِنُ أَوْ وَرَثَتُهُ أَنَّ الْمَيِّتَ اقْتَضَى حَقَّهُ أَوْ بَرَّأَهُ مِنْهُ فَعَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ إذَا عَرَفَ لِرَجُلٍ حَقًّا أَبَدًا فَهُوَ لاَزِمٌ لِمَنْ كَانَ عَلَيْهِ لاَ يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِإِبْرَاءِ صَاحِبِ الْحَقِّ لَهُ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ يُثْبِتُونَهُ بِعَيْنِهِ فَيَلْزَمُهُ‏.‏ وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً رَهْنًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ فَأَقَامَ الرَّاهِنُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ عَشَرَةٌ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ تِسْعُونَ فَإِذَا أَدَّاهَا، فُكَّ لَهُ الرَّهْنُ، وَإِلَّا بِيعَ الرَّهْنُ عِنْدَ مَحِلِّهِ وَاقْتُضِيَتْ مِنْهُ التِّسْعُونَ، وَلَوْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ‏:‏ قَضَاهُ شَيْئًا مَا نُثْبِتُهُ أَوْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ‏:‏ أَقَرَّ عِنْدَنَا الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا مَا نُثْبِتُهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا قِيلَ أَقَرُّوا فِيهَا بِشَيْءٍ مَا كَانَ وَاحْلِفُوا مَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَخُذُوا مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّكُمْ، وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ الْمَيِّتَ وَالْمُرْتَهِنُ الْحَيَّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ قَضَانِي شَيْئًا مِنْ الْحَقِّ مَا أَعْرِفُهُ قِيلَ لِلرَّاهِنِ إنْ كَانَ حَيًّا وَوَرَثَتُهُ إنْ كَانَ مَيِّتًا ادَّعَيْتُمْ شَيْئًا تُسَمُّونَهُ أَحَلَفْنَاهُ لَكُمْ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْهُ، وَقُلْنَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مَا كَانَ فَمَا أَقَرَّ بِهِ وَحَلَفَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، قَبِلْنَا قَوْلَهُ فِيهِ‏.‏

جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَيِّدِهِ وَمِلْكِ سَيِّدِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فَجَنَى الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ جِنَايَةً تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ فَوَلِيُّ سَيِّدِهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقِصَاصِ مِنْهُ وَبَيْنَ الْعَفْوِ بِلاَ شَيْءٍ فِي رَقَبَتِهِ فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ فَقَدْ بَطَلَ الرَّهْنُ فِيهِ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ بِلاَ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ بِأَخْذِ دِيَتِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ فَفِيهَا قَوْلاَنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ إذَا أَتَتْ عَلَى نَفْسِ سَيِّدِهِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لاَ تَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ‏:‏ إنَّمَا مَنَعَنِي إذَا تَرَكَ الْوَلِيُّ الْقَوَدَ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ أَنْ أُبْطِلَ الْجِنَايَةَ أَنَّ الْجِنَايَةَ الَّتِي لَزِمَتْ الْعَبْدَ مَالٌ لِلْوَارِثِ وَالْوَارِثُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِلْعَبْدِ يَوْمَ جَنَى فَيَبْطُلُ حَقُّهُ فِي رَقَبَتِهِ بِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ‏.‏ وَالْقَوْلُ الثَّانِي‏:‏ أَنَّ الْجِنَايَةَ هَدَرٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَمْلِكُهَا بَعْدَمَا يَمْلِكُهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ‏:‏ لَوْلاَ أَنَّ الْمَيِّتَ مَالِكٌ مَا قَضَى بِهَا دَيْنَهُ، وَلَوْ كَانَ لِلسَّيِّدِ وَارِثَانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْجِنَايَةِ بِلاَ مَالٍ كَانَ الْعَفْوُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَائِزًا، وَكَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا بِحَالِهِ، وَإِنْ عَفَا الْآخَرُ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ بِيعَ نِصْفُهُ فِي الْجِنَايَةِ، وَكَانَ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ ثَمَنُ نِصْفِهِ إنْ كَانَ مِثْلَ الْجِنَايَةِ أَوْ أَقَلَّ، وَكَانَ نِصْفُهُ مَرْهُونًا وَسَوَاءٌ الَّذِي عَفَا عَنْ الْمَالِ وَاَلَّذِي عَفَا عَنْ غَيْرِ شَيْءٍ فِيمَا وَصَفْت‏.‏ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَلِلسَّيِّدِ الْمَقْتُولِ وَرَثَةٌ صِغَارٌ وَبَالِغُونَ وَأَرَادَ الْبَالِغُونَ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَتْلُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الصِّغَارُ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ عِنْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يَعْفُوَ أَحَدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَقُومَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ بِمَالِهِ قِيَامَ مَنْ لاَ رَهْنَ لَهُ فَإِنْ حَاصَّ الْغُرَمَاءَ فَبَقِيَ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ ثُمَّ عَفَا بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ الْبَالِغِينَ بِلاَ مَالٍ يَأْخُذُهُ كَانَ حَقُّ الْعَافِينَ مِنْ الْعَبْدِ رَهْنًا لَهُ يُبَاعُ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ‏.‏ وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الْوَرَثَةِ الْبَالِغِينَ عَنْ الْقَوَدِ فَلاَ سَبِيلَ إلَى الْقَوَدِ وَيُبَاعُ نَصِيبُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَعْفُ، إنْ كَانَ الْبَيْعُ نَظَرًا لَهُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ ثَمَنَ الْعَبْدِ يُمْلَكُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى مَالِكِهِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا مَوَارِيثَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ عَنْهَا فَيُرَدَّ رَهْنًا‏.‏ وَلَوْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَيِّدِهِ الرَّاهِنِ عَمْدًا فِيهَا قِصَاصٌ لَمْ يَأْتِ عَلَى النَّفْسِ كَانَ لِلسَّيِّدِ الرَّاهِنِ الْخِيَارُ فِي الْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ فَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ قَالَ أَعْفُوا عَلَى أَنْ آخُذَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ رَقَبَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ‏.‏ وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ عَمْدًا لاَ قَوَدَ فِيهَا أَوْ خَطَأً فَهِيَ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ قَبْلَ جِنَايَتِهِ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ عَلَى مَالِهِ دَيْنٌ‏.‏

وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى عَبْدٍ لِلسَّيِّدِ جِنَايَةً فِي نَفْسٍ أَوْ مَا دُونَهَا فَالْخِيَارُ إلَى السَّيِّدِ الرَّاهِنِ فَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا وَبِأَيِّ الْوَجْهَيْنِ عَفَا فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ إنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَلاَ مَالَ لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ، وَلَوْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى عَبْدٍ لِلرَّاهِنِ مَرْهُونٌ عِنْدَ آخَرَ كَانَ لِلسَّيِّدِ الْخِيَارُ فِي الْقَوَدِ أَوْ فِي الْعَفْوِ بِلاَ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ فَذَلِكَ لَهُ لَيْسَ لِمُرْتَهِنِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ‏.‏ وَإِنْ اخْتَارَ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ فَالْمَالُ مَرْهُونٌ فِي يَدَيْ مُرْتَهِنِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ‏.‏ وَإِنْ اخْتَارَ سَيِّدُ الْعَبْدِ عَفْوَ الْمَالِ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَبِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَجَزْت لِلسَّيِّدِ الرَّاهِنَ أَنْ يَأْخُذَ جِنَايَةَ الْمُرْتَهِنِ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ عِتْقِ عَبْدِهِ الْجَانِي، وَلاَ يَمْنَعُ الْمُرْتَهِنُ السَّيِّدَ الْعَفْوَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لاَ يَكُونُ عَلَى الْجَانِي عَمْدًا حَتَّى يَخْتَارَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ‏.‏

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى أُمِّ وَلَدٍ لِلرَّاهِنِ أَوْ مُدَبَّرٍ أَوْ مُعْتَقٍ إلَى أَجَلٍ فَهِيَ كَجِنَايَتِهِ عَلَى مَمْلُوكِهِ وَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ فَإِنْ جَنَى عَلَى مُكَاتَبِ السَّيِّدِ فَقَتَلَهُ عَمْدًا فَلِلسَّيِّدِ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ فَإِنْ تَرَكَ الْقَوَدَ فَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ جُرْحًا فَلِلْمَكَاتِبِ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ، وَإِذَا عَفَاهُ عَنْهُ عَلَى مَالٍ بِيعَ الْعَبْدُ الْجَانِي فَدُفِعَ إلَى الْمُكَاتَبِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَإِذَا حُكِمَ لِلْمُكَاتِبِ بِأَنْ يُبَاعَ لَهُ الْعَبْدُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ بَيْعِهِ أَوْ عَجَزَ فَلِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ بَيْعُهُ فِي الْجِنَايَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهَا فَيَكُونَ مَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ أَوْ رَقَبَتِهِ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ عَنْ مُكَاتَبِهِ بِمِلْكٍ غَيْرِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ‏.‏ وَلَوْ بِيعَ وَالْمُكَاتَبُ حَيٌّ ثُمَّ اشْتَرَاهُ السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ‏.‏

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى ابْنٍ لِلرَّاهِنِ أَوْ أَخٍ أَوْ مَوْلًى جِنَايَةً تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ وَالرَّاهِنُ وَارِثُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلِلرَّاهِنِ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ أَوْ غَيْرِ الدِّيَةِ فَإِذَا عَفَا عَلَى الدِّيَةِ بِيعَ الْعَبْدُ وَخَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ اشْتَرَاهُ الرَّاهِنُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ لاَ يُجْبَرُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ‏.‏ وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ‏:‏ أَنَا أُسَلِّمُ الْعَبْدَ وَأَفْسَخُ الرَّهْنَ فِيهِ وَحَقِّي فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ قِيلَ‏:‏ إنْ تَطَوَّعْت بِذَلِكَ، وَإِلَّا لَمَا تُكْرَهُ عَلَيْهِ وَبَلَغْنَا الْجَهْدُ فِي بَيْعِهِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ فَضْلٌ فَهُوَ رَهْنٌ لَك، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ فَالْحَقُّ أَتَى عَلَى رَهْنِهِ، وَإِنْ مَلَكَهُ الرَّاهِنُ بِشِرَاءٍ أَوْ تَرَكَ مِنْهُ لِلرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِمِلْكٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَبَطَلَ الْأَوَّلُ وَبَطَلَ الرَّهْنُ بِفَسْخِك الرَّهْنَ أَلاَ تَرَى أَنَّ رَجُلاً لَوْ رَهَنَ رَجُلاً عَبْدًا فَاسْتَحَقَّهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ مَلَكَهُ الرَّاهِنُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ رَهْنًا لِمَعْنَيَيْنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ إذَا كَانَ رَهَنَهُ، وَلَيْسَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ رَهْنًا كَمَا لَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا فَاسِدًا لَمْ يَكُنْ رَهْنًا‏.‏ وَالْآخَرُ‏:‏ أَنَّ هَذَا الْمِلْكَ غَيْرُ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْطَلَ جِنَايَةَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا جَنَى عَلَى ابْنِ سَيِّدِهِ أَوْ عَلَى أَحَدٍ السَّيِّدُ وَارِثُهُ أَنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ غَيْرُ سَيِّدِ الْجَانِي، وَلاَ رَاهِنِهِ، وَإِنَّمَا مَلَكَهَا سَيِّدُهُ الرَّاهِنُ عَنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِمَوْتِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَهَذَا مِلْكٌ غَيْرُ مِلْكِ السَّيِّدِ الْأَوَّلِ‏.‏ وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً رَهَنَ عَبْدَهُ ثُمَّ عَدَا الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى ابْنٍ لِنَفْسِهِ مَمْلُوكُ الرَّاهِنِ فَقَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلاَ قَوَدَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ ابْنِهِ وَالْجِنَايَةُ مَالٌ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فَلاَ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ بَيْعُهُ بِهَا، وَلاَ إخْرَاجُهُ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهُ فِي عُنُقِ عَبْدِهِ دَيْنٌ وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً فَقَتَلَتْ ابْنَهَا، وَلَوْ كَانَ الِابْنُ الْمَقْتُولُ رَهْنًا لِرَجُلٍ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ لِلْأَبِ بِيعَ الْعَبْدُ الْأَبُ الْقَاتِلُ فَجُعِلَ ثَمَنُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْمَقْتُولِ رَهْنًا فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ مَكَانَهُ‏.‏ وَلَوْ كَانَ الِابْنُ مَرْهُونًا لِرَجُلٍ غَيْرِ مُرْتَهِنِ الْأَبِ بِيعَ الْأَبُ فَجُعِلَ ثَمَنُ الِابْنِ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ عَفْوُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَوَدٌ قَطُّ إنَّمَا وَجَبَ فِي عِتْقِهِ مَالٌ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَعْفُوَهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ‏.‏

وَلَوْ كَانَ الْأَبُ وَالِابْنُ مَمْلُوكَيْنِ لِرَجُلٍ وَرَهَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلاً عَلَى حِدَةٍ فَقَتَلَ الِابْنُ الْأَبَ كَانَ لِسَيِّدِ الْأَبِ أَنْ يَقْتُلَ الِابْنَ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ الْقَتْلِ بِلاَ مَالٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ جَرَحَهُ جُرْحًا فِيهِ قَوَدٌ كَانَ لَهُ الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ بِلاَ مَالٍ فَإِنْ اخْتَارَ الْعَفْوَ بِالْمَالِ بِيعَ الِابْنُ وَجُعِلَ ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَ مَا لَزِمَهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ‏.‏ وَإِذَا كَانَ هَذَا الْقَتْلُ خَطَأً وَالْعَبْدَانِ مَرْهُونَانِ لِرَجُلَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ فَلاَ شَيْءَ لِلسَّيِّدِ مِنْ الْعَفْوِ وَيُبَاعُ الْجَانِي فَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا لِمُرْتَهِنِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَعْنَاقِهِمَا حُكْمٌ إلَّا الْمَالُ لاَ خِيَارَ فِيهِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَجْنَبِيًّا كَانَ أَوْ سَيِّدًا‏.‏

وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى نَفْسِهِ جِنَايَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَهِيَ هَدَرٌ، وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى امْرَأَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ جِنَايَةً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ لِرَجُلٍ فَنَكَحَهَا الْعَبْدُ فَالْجِنَايَةُ لِمَالِكِ الْجَارِيَةِ يُبَاعُ فِيهَا الرَّهْنُ فَيُعْطَى قِيمَةَ الْجَنِينِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْعَبْدِ الرَّهْنِ فَضْلٌ عَنْ قِيمَةِ الْجَنِينِ فَيُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجَنِينِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْجَنِينِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ خَطَأً لَيْسَ لِلسَّيِّدِ عَفْوُهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهَا وَيَكُونُ مَا بَقِيَ مِنْهُ رَهْنًا‏.‏

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَنْ حُرٍّ جِنَايَةً عَمْدًا فَاخْتَارَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ أَوْلِيَاؤُهُ الْعَقْلَ بِبَيْعِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ ثُمَّ اشْتَرَى بِثَمَنِهِ إبِلاً فَدُفِعَتْ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ أَوْلِيَائِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا، وَكَذَلِكَ إذَا جَنَاهَا خَطَأً، وَإِنْ اخْتَارَ أَوْلِيَاؤُهُ الْعَفْوَ عَنْ الْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُونَهُ فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ‏.‏

إقْرَارُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ بِالْجِنَايَةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِنْ رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدًا وَأَقْبَضَهُ الْمُرْتَهِنَ فَادَّعَى عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَى رَجُلٍ هُوَ وَلِيُّهُ جِنَايَةً عَمْدًا فِي مِثْلِهَا قَوَدٌ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ فَإِقْرَارُ الْعَبْدِ لاَزِمٌ لَهُ وَهُوَ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكُونُ قَبُولُهُ أَنْ يَرْتَهِنَهُ وَهُوَ جَانٍ عَلَيْهِ إبْطَالاً لِدَعْوَاهُ لِجِنَايَةٍ كَانَتْ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ الْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ بِلاَ مَالٍ أَوْ الْعَفْوُ بِمَالٍ فَإِنْ اخْتَارَ الْقَوَدَ فَذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْعَفْوَ بِلاَ مَالٍ فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ اخْتَارَ الْمَالَ بِيعَ الْعَبْدُ فِي الْجِنَايَةِ فَمَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ كَانَ رَهْنًا‏.‏ وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لاَ قَوَدَ فِيهَا بِحَالٍ أَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا وَالْمُرْتَهِنُ كَافِرًا فَأَقَرَّ عَلَيْهِ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا أَوْ أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ عَلَى ابْنِ نَفْسِهِ وَكَّلَ مَنْ لاَ يُقَادُ مِنْهُ بِحَالٍ فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ فِي عُبُودِيَّتِهِ بِمَالٍ فِي عُنُقِهِ، وَإِقْرَارُهُ بِمَالٍ فِي عُنُقِهِ كَإِقْرَارِهِ بِمَالٍ عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ وَمَا بِيعَتْ بِهِ عِتْقُهُ مَالٌ لِسَيِّدِهِ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَا وَصَفْت مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ‏.‏ وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْمُرْتَهِنِ سَيِّدُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ فَأَقَرَّ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ عَلَى سَيِّدِهِ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِمَّا فِيهِ قِصَاصٌ جَازَتْ عَلَى الْعَبْدِ فَإِنْ اُقْتُصَّ فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَصَّ فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ‏.‏ فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا عَلَى ابْنِ الرَّاهِنِ أَوْ مِنْ الرَّاهِنِ وَلِيَّهُ فَأَتَتْ عَلَى نَفْسِهِ فَأَقَرَّ بِهَا الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ وَلِسَيِّدِهِ الرَّاهِنِ قَتْلُهُ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ فِي عُنُقِهِ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي الْأَجْنَبِيِّ وَالْعَفْوُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ فَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَلاَ يَجُوزُ إقْرَارُ الْعَبْدِ الرَّهْنِ، وَلاَ غَيْرِ الرَّهْنِ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ مِمَّنْ تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ فَلاَ يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا فِيمَا فِيهِ الْقَوَدُ‏.‏ وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً خَطَأً عَلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَكَذَّبَهُ مَالِكُ الْعَبْدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكِ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِذَا بِيعَ بِالرَّهْنِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِأَنْ يُعْطِيَ ثَمَنَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِنْهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي إقْرَارِهِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِثَمَنِ الْعَبْدِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَجْمَعُ مَعْنَيَيْنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَلاَ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ‏.‏ وَالْآخَرُ‏:‏ أَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إذَا ثَبَتَ لَهُ فَمَالُهُ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ فَلَمَّا سَقَطَ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ دُونَ الْعَبْدِ سَقَطَ عَنْهُ الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ ثَمَنِ الْعَبْدِ مِنْ يَدَيْهِ وَالْوَرَعُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ ثَمَنِهِ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَدْرَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ جَحَدَهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، وَلاَ يَأْخُذُهُ إنْ قَدَرَ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ غَيْرَ ثَمَنِ الْعَبْدِ‏.‏ وَهَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ الْعَبْدُ الْجِنَايَةَ وَسَيِّدُهُ وَأَقَرَّ بِهَا الْمُرْتَهِنُ، وَلَوْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ فِي يَدَيْهِ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً خَطَأً وَأَقَرَّ بِذَلِكَ الْعَبْدُ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ الْعَبْدُ مِنْ الرَّهْنِ وَحَلَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَخْذُ حَقِّهِ فِي الرَّهْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ أَصْلِ الْحَقِّ وَالْجِنَايَةِ إنْ كَانَ يَعْلَمُهُ صَادِقًا‏.‏ وَلَوْ ادَّعَى الْجِنَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ خَطَأً لِابْنٍ لَهُ هُوَ وَلِيُّهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَهُ وَلِيُّ غَيْرِهِ وَالْجِنَايَةُ خَطَأٌ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ الْعَبْدُ وَأَنْكَرَهُ السَّيِّدُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ السَّيِّدِ وَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ فِي دَعْوَى الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْعَبْدِ الْجِنَايَةَ خَطَأً، وَإِقْرَارِ الْعَبْدِ وَالْمُرْتَهِنِ بِهَا وَتَكْذِيبِ الْمَالِكِ لَهُ‏.‏

جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّيْنِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ أَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ فَجِنَايَتُهُ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ كَجِنَايَةِ الْعَبْدِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ وَمَالِكُهُ الرَّاهِنُ الْخَصْمُ فِيهِ فَيُقَالُ لَهُ إنْ فَدَيْته بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَأَنْتَ مُتَطَوِّعٌ وَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى أَنْ تَفْدِيَهُ وَبِيعَ الْعَبْدُ فِي جِنَايَتِهِ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الرَّهْنِ كَمَا تَكُونُ الْجِنَايَةُ أَوْلَى بِهِ مِنْ مِلْكِك فَالرَّهْنُ أَضْعَفُ مِنْ مِلْكِك؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ شَيْءٌ بِالرَّهْنِ بِمِلْكِك فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ لاَ تَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، وَلَمْ يَتَطَوَّعْ مَالِكُهُ بِأَنْ يَفْدِيَهُ لَمْ يُجْبَرْ سَيِّدُهُ، وَلاَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ إلَّا بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ وَيَكُونُ مَا بَقِيَ مِنْهُ مَرْهُونًا، وَلاَ يُبَاعُ كُلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْجِنَايَةُ تُحِيطُ بِقِيمَتِهِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ عَلَى بَيْعِهِ فَإِذَا اجْتَمَعَا عَلَى بَيْعِهِ بِيعَ فَأُدِّيَتْ الْجِنَايَةُ وَخُيِّرَ مَالِكُهُ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ مَا بَقِيَ مِنْ ثَمَنِهِ قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ عَلَيْهِ أَوْ يَدَعَهُ رَهْنًا مَكَانَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلاَ يَكُونُ تَسْلِيمُ الْمُرْتَهِنِ بَيْعَ الْعَبْدِ الْجَانِي كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ عَنْ الْجِنَايَةِ فَسْخًا مِنْهُ لِرَهْنِهِ، وَلاَ يَنْفَسِخُ فِيهِ الرَّهْنُ إلَّا بِأَنْ يَبْطُلَ حَقُّهُ فِيهِ أَوْ يَبْرَأَ الرَّاهِنُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ، وَلاَ أَحْسَبُ أَحَدًا يَعْقِلُ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ عَبْدِهِ رَهْنًا غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا مِنْ دَيْنِهِ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِمَّا قَبَضَ مِنْهُ‏.‏ وَإِذَا اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِثَمَنِهِ، وَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ قَبْضَهُ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ الْمَنْفَعَةُ بِالثَّمَنِ الَّذِي هُوَ دَنَانِيرُ وَدَرَاهِمُ كَالْمَنْفَعَةِ بِالْعَبْدِ الَّذِي هُوَ عَيْنٌ لَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَرُدَّ بِحَالِهِ، وَإِذَا بِيعَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فِي الْجِنَايَةِ أَوْ بَعْضُهُ لَمْ يُكَلَّفْ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ بِيعَ بِحَقٍّ لَزِمَهُ لاَ إتْلاَفٍ مِنْهُ هُوَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْجِنَايَةِ قِيلَ لَهُ إنْ فَعَلْت فَأَنْتَ مُتَطَوِّعٌ، وَلَيْسَ لَك الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى مَالِكِ الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ فَدَاهُ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ وَضَمِنَ لَهُ‏:‏ مَا فَدَاهُ بِهِ رَجَعَ بِمَا فَدَاهُ بِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُ رَهْنًا بِهِ فَيَكُونُ رَهْنًا بِهِ مَعَ الْحَقِّ الْأَوَّلِ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَنْفَسِخَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ فَيَجْعَلَهُ رَهْنًا بِمَا كَانَ مَرْهُونًا وَبِمَا فَدَاهُ بِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ الرَّهْنِ عَمْدًا فَأَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيُّهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَلاَ يَمْنَعُ الرَّهْنُ حَقًّا عَلَيْهِ فِي عُنُقِهِ، وَلاَ فِي بَدَنِهِ، وَلَوْ كَانَ جَنَى قَبْلَ أَنْ يَرْهَنَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ كَمَا يَكُونُ لَهُ لَوْ جَنَى بَعْدَ أَنْ كَانَ رَهْنًا لاَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ، وَلاَ يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ أَنْ يَجْنِيَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا ثُمَّ يَرْهَنُ، وَلاَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا إذَا لَمْ يُبَعْ فِي الْجِنَايَةِ‏.‏

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ، وَلَهُ مَالٌ أَوْ اكْتَسَبَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ مَالاً أَوْ وُهِبَ لَهُ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ وَجِنَايَتُهُ فِي عُنُقِهِ كَهِيَ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ‏.‏ وَلَوْ بِيعَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَلَمْ يَتَفَرَّقْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي حَتَّى جَنَى كَانَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ حَدَثَ بِهِ، وَلَهُ رَدُّهُ بِلاَ عَيْبٍ‏.‏ وَلَوْ جَنَى ثُمَّ بِيعَ فَعَلِمَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ بِجِنَايَتِهِ كَانَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ دُلِّسَ لَهُ، وَلَوْ بِيعَ وَتَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَاخْتَارَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ ثُمَّ جَنَى كَانَ مِنْ الْمُشْتَرَى، وَلَمْ يُرَدَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَادِثٌ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ بِكُلِّ حَالٍ لَهُ، وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ الرَّهْنُ جِنَايَةً عَمْدًا كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْأَرْشِ وَالْقِصَاصِ فَإِنْ اخْتَارَ الْأَرْشَ كَانَ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ يُبَاعُ فِيهِ كَمَا يُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ خَطَأً، وَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ كَانَ لَهُ‏.‏

وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَلَمْ يُقِدْهُ سَيِّدُهُ بِالْجِنَايَةِ فَبِيعَ فِيهَا لَمْ يُكَلَّفْ سَيِّدُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنٍ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ بِيعَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ لاَ جِنَايَةٍ لِلسَّيِّدِ فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ أَمَرَ الْعَبْدَ بِالْجِنَايَةِ، وَكَانَ بَالِغًا يَعْقِلُ فَهُوَ آثِمٌ، وَلاَ يُكَلَّفُ السَّيِّدُ إذَا بِيعَ فِيهَا أَوْ قُتِلَ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ صَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ كُلِّفَ السَّيِّدُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ ثَمَنًا وَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ، وَإِذَا تَمَّ الرَّهْنُ بِالْقَبْضِ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غُرَمَاءِ السَّيِّدِ وَوَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ وَأَهْلِ وَصَايَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ فِيهِ ثُمَّ يَكُونَ لَهُمْ الْفَضْلُ عَنْ حَقِّهِ‏.‏

وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْهَنَ عَبْدًا لِلْإِذْنِ فَرَهَنَهُ فَجَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ جِنَايَةً فَجِنَايَتُهُ فِي عُنُقِهِ وَالْقَوْلُ فِي هَلْ يَرْجِعُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْآذِنُ عَلَى الرَّاهِنِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِمَا لَزِمَ عَبْدَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ وَبِتَلَفٍ إنْ أَصَابَهُ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَفْدِيَهُ كَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لَوْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ عَارِيَّةٌ فِي يَدَيْهِ لاَ رَهْنٌ أَوْ لاَ يَرْجِعُ‏؟‏ قَوْلاَنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ عَارِيَّةٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ كَمَا تُضْمَنُ الْعَارِيَّةُ‏.‏ وَالْآخَرُ‏:‏ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ شَيْئًا مِمَّا أَصَابَهُ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ‏:‏ فَلَيْسَ كَالْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّ خِدْمَتَهُ لِسَيِّدِهِ وَالرَّهْنَ فِي عُنُقِهِ كَضَمَانِ سَيِّدِهِ لَوْ ضَمِنَ عَنْ الرَّاهِنِ وَالْعَارِيَّةُ مَا كَانَتْ مَنْفَعَتُهَا مَشْغُولَةً عَنْ مُعِيرِهَا وَمَنْفَعَةُ هَذَا لَهُ قَائِمَةٌ وَمَنْ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ ضَمَّنَ رَجُلاً لَوْ رَهَنَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ مَتَاعًا لَهُ بِأَمْرِ الْمَرْهُونِ، وَكَانَ هَذَا عِنْدِي أَشْبَهَ الْقَوْلَيْنِ‏.‏ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فِيمَا فِيهِ قِصَاصٌ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَبْدَهُ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ فَجَنَى عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَبْدٌ لِلرَّاهِنِ أَوْ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ لِغَيْرِهِمَا جِنَايَةً أَتَتْ عَلَى نَفْسِهِ فَالْخَصْمُ فِي الْجِنَايَةِ سَيِّدُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ، وَلاَ يَنْتَظِرُ الْحَاكِمُ الْمُرْتَهِنَ، وَلاَ وَكِيلَهُ لِيَحْضُرَ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إلَى السَّيِّدِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ وَعَلَى الْحَاكِمِ إذَا ثَبَتَ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ أَنْ يُخَيَّرَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ فَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ دُفِعَ إلَيْهِ قَاتِلُ عَبْدِهِ فَإِنْ قَتَلَهُ قَتَلَهُ بِحَقِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُبْدِلَ الْمُرْتَهِنَ شَيْئًا مَكَانَهُ كَمَا لاَ يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ مَاتَ أَنْ يُبْدِلَهُ مَكَانَهُ‏.‏ وَلَوْ عَفَا عَنْهُ بِلاَ مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ مَلَكَهُ فَعَفَاهُ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ قِيمَةِ عَبْدِهِ أَخَذَهُ الْقَاضِي بِأَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ إنْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ أَوْ مَنْ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَارَ تَرْكَ الْقَوَدِ عَلَى أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ ثُمَّ أَرَادَ عَفْوًا بِلاَ أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَأُخِذَتْ قِيمَةُ عَبْدِهِ فَجُعِلَتْ رَهْنًا‏.‏ وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَارَ أَخْذَ الْمَالِ ثُمَّ قَالَ‏:‏ أَنَا أَقْتُلُ قَاتِلَ عَبْدِي فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْمَالِ بَطَلَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ وَتَرَكَ الْآخَرَ‏.‏ وَإِنْ عَفَا الْمَالَ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ أَوْ أَخَذَهُ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ عَبْدِهِ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ أَقَلُّ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ؛ لِأَنَّهُ وَهَبَ شَيْئًا قَدْ وَجَبَ رَهْنًا لِغَيْرِهِ، وَإِذَا بَرِئَ مِنْ الْمَالِ بِأَنْ يَدْفَعَ الْحَقَّ إلَى الْمُرْتَهِنِ مِنْ مَالٍ لَهُ غَيْرِ الْمَالِ الْمَرْهُونِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ الْمُرْتَهِنُ رَدَّ الْمَالَ الَّذِي عَفَاهُ عَنْ الْعَبْدِ الْجَانِي عَلَى سَيِّدِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ بَرَاءَةٌ مِنْ شَيْءٍ بِيَدِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَهُوَ كَالْعَطِيَّةِ الْمَقْبُوضَةِ، وَإِنَّمَا رَدَدْتهَا لِعِلَّةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهَا فَإِذَا ذَهَبَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ فَهِيَ تَامَّةٌ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْجَانِي بِالْعَفْوِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِذَا قَضَى الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ مِمَّا أَخَذَ مِنْ قِيمَةِ عَبْدِهِ لَمْ يَغْرَمْ مِنْ الْمَالِ الَّذِي قَضَاهُ شَيْئًا لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ‏.‏ وَإِنْ فَضَلَ فِي يَدَيْهِ فَضْلٌ عَنْ حَقِّهِ رَدَّهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ الْجِنَايَةُ، وَالْمَالُ، وَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ أَنْ يَهَبَ لِلْمُرْتَهِنِ مَا فَضَلَ عَنْ حَقِّهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ قُضِيَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ الْمَرْهُونِ دَرَاهِمُ، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ دَنَانِيرُ وَأَخَذَهَا الرَّاهِنُ فَدَفَعَهَا إلَى الْمُرْتَهِنِ فَأَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَدَعَهَا لِلْمُرْتَهِنِ بِحَقِّهِ، وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَبِيعَتْ فَأُعْطِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مَا فَضَلَ مِنْ أَثْمَانِهَا‏.‏ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي لَوْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا أَنْ أُسَلِّمَ عَفْوَهُ عَنْ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ اخْتَارَهُ وَأَصْنَعُ فِيهِ مَا أَصْنَعُ فِي الْعَبْدِ لَوْ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ أَنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ مُخَالِفٌ جَمِيعَ مَا سِوَاهُ أَنَا إذَا وَجَدْت السَّبِيلَ إلَى الْعِتْقِ بِبَدَلٍ مِنْهُ أَمْضَيْته وَعَفْوُ الْمَالِ مُخَالِفٌ لَهُ فَإِذَا عَفَا مَا غَيْرُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُسْتَوْفَى حَقُّهُ كَانَ عَفْوُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بَاطِلاً كَمَا لَوْ وَهَبَ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ لِرَجُلٍ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ كَانَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَرْدُودًا حَتَّى يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِ رَهْنِهِ وَالْبَدَلُ مِنْ رَهْنِهِ يَقُومُ مَقَامَ رَهْنِهِ لاَ يَخْتَلِفَانِ‏.‏

وَلَوْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ ثَلاَثَةُ أَعْبُدَ كَانَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُخَيِّرَ سَيِّدَ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ أَوْ الْعَفْوِ فَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ فِيهِمْ فَذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَنْ قَتَلَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ، وَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَحَدِهِمْ وَيَأْخُذَ مَا لَزِمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ قِيمَةِ عَبْدِهِ كَانَ لَهُ وَيُبَاعَانِ فِيهَا كَمَا وَصَفْت وَيَكُونُ ثَمَنُ عَبْدِهِ مِنْ ثَمَنِهِمَا رَهْنًا كَمَا ذَكَرْت، وَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَ عَبْدِهِ مِنْهُمَا ثُمَّ أَرَادَ عَفْوًا عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا كَانَ الْجَوَابُ فِيهَا كَالْجَوَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ قِيمَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ ثُمَّ عَفَاهَا وَأُحِبُّ أَنْ يُحْضِرَ الْحَاكِمُ الْمُرْتَهِنَ أَوْ وَكِيلَهُ احْتِيَاطًا لِئَلَّا يَخْتَارَ الرَّاهِنُ أَخْذَ الْمَالِ ثُمَّ يَدَعُهُ أَوْ يُفَرِّطُ فِيهِ فَيَهْرُبُ الْعَبْدُ الْجَانِي‏.‏ وَإِنْ اخْتَارَ الرَّاهِنُ أَخْذَ الْمَالِ مِنْ الْجَانِي عَلَى عَبْدِهِ ثُمَّ فَرَّطَ فِيهِ حَتَّى يَهْرُبَ الْجَانِي لَمْ يَغْرَمْ الرَّاهِنُ شَيْئًا بِتَفْرِيطِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَكَانَ كَعَبْدِهِ لَوْ رَهَنَهُ رَجُلاً فَهَرَبَ، وَلاَ أَجْعَلُ الْحَقَّ حَالاً بِحَالٍ وَهُوَ إلَى أَجَلٍ، وَلَوْ تَعَدَّى فِيهِ الرَّاهِنُ‏.‏

وَلَوْ جَنَى حُرٌّ وَعَبْدٌ عَلَى عَبْدٍ مَرْهُونٍ جِنَايَةً عَمْدًا كَانَ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى الْحُرِّ فِي مَالِهِ حَالَّةً تُؤْخَذُ مِنْهُ فَتَكُونُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّاهِنُ بِأَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا إذَا كَانَتْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ وَخُيِّرَ فِي الْعَبْدِ كَمَا وَصَفْت بَيْنَ قَتْلِهِ أَوْ الْعَفْوِ عَنْهُ أَوْ أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ مِنْ عُنُقِهِ فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ الْجَانِي فَقَدْ بَطَلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ مَاتَ الْحُرُّ فَنِصْفُ قِيمَتِهِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ أَفْلَسَ الْحُرُّ فَهُوَ غَرِيمٌ وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنْهُ كَانَ مَرْهُونًا وَالْحَقُّ كُلُّهُ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ لاَ يَبْرَأُ مِنْهُ بِتَلَفِ الرَّهْنِ وَتَلَفِ الْعِوَضِ مِنْهُ بِحَالٍ‏.‏ وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ جِنَايَةً دُونَ النَّفْسِ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الْجِنَايَةِ فِي النَّفْسِ لاَ يَخْتَلِفُ بِتَخْيِيرِ السَّيِّدِ الرَّاهِنَ بَيْنَ أَخْذِ الْقِصَاصِ لِعَبْدِهِ، أَوْ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ بِلاَ شَيْءٍ أَوْ أَخْذِ الْعَقْلِ فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْعَقْلِ كَانَ كَمَا وَصَفْت، وَلاَ خِيَارَ لِلْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، إنَّمَا الْخِيَارُ لِمَالِكِهِ لاَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْجِنَايَةِ مَالاً وَالْمِلْكُ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ‏.‏ وَلَوْ كَانَ الْجَانِي عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَبْدًا لِلرَّاهِنِ أَوْ عَبْدًا لَهُ وَعَبْدًا لِغَيْرِهِ ابْنٌ أَوْ غَيْرُهُ كَانَ الْقَوْلُ فِي عَبْدِ غَيْرِهِ ابْنَهُ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَالْقَوْلِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَبْلَهُ وَخُيِّرَ فِي عَبْدِهِ الْجَانِي عَلَى عَبْدِهِ كَمَا يُخَيَّرُ فِي عَبِيدِ غَيْرِهِ بَيْنَ الْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ عَنْ الْقَوَدِ بِلاَ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدَّعِي قَوَدًا جُعِلَ إلَيْهِ تَرْكُهُ‏.‏ وَإِنْ لَمْ يُعْفَ الْقَوَدُ إلَّا عَلَى اخْتِيَارِ الْعِوَضِ مِنْ الْمَالِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَ عَبْدَهُ الْجَانِيَ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَإِذَا فَعَلَ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا أَوْ يُسَلِّمَهَا رَهْنًا فَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا كَالْحَقِّ عَلَيْهِ فَشَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا فَعَلَ، وَإِنْ كَانَتْ إبِلاً أَوْ شَيْئًا غَيْرَ الْحَقِّ فَشَاءَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَقْضِيَ الْمُرْتَهِنَ مِنْهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ أَوْ لاَ يُبْقِي مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَعَلَ‏.‏ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَجْعَلَ ثَمَنَهَا رَهْنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مِنْ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْبَدَلَ مِنْهُ كَمَا لاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَجْعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، وَلاَ يُبَدِّلَهُ بِغَيْرِهِ فَإِنْ قَضَى بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ دَنَانِيرَ وَالْحَقُّ دَرَاهِمُ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ رَهْنًا، وَلاَ يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ فِي الْجِنَايَةِ دَرَاهِمَ كَالْحَقِّ ثُمَّ يَجْعَلُهَا رَهْنًا وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهَا رَهْنًا كَمَا بِيعَ عَبْدُهُ بِهِمَا فَإِذَا كَانَتْ جِنَايَةُ عَبْدِ الرَّاهِنِ غَيْرَ الْمَرْهُونِ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ فِي شَيْءٍ فِيهِ قِصَاصٌ دُونَ النَّفْسِ فَهَكَذَا لاَ يَخْتَلِفُ‏.‏

وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً رَهَنَ رَجُلاً عَبْدًا وَرَهَنَ آخَرَ عَبْدًا فَعَدَا أَحَدُ عَبْدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ فَقَتَلَهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً دُونَ النَّفْسِ فِيهَا قَوَدٌ فَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي عَبْدٍ غَيْرِ مَرْهُونٍ وَعَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ يَجْنِي عَلَى عَبْدِهِ يُخَيَّرُ بَيْنَ قَتْلِهِ أَوْ الْقِصَاصِ مِنْ جِرَاحِهِ أَوْ الْعَفْوِ بِلاَ أَخْذِ شَيْءٍ فَإِنْ عَفَا فَالْعَبْدُ مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْمَالِ بِيعَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ ثُمَّ جُعِلَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْمَقْتُولِ رَهْنًا مَكَانَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا‏.‏ وَإِنْ كَانَتْ جُرْحًا جَعَلَ أَرْشَ جُرْحِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ رَهْنًا مَعَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ كَشَيْءٍ مِنْ أَصْلِ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ جُرْحًا لاَ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْجَانِي جُبِرَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَمْ يُجْبَرَا عَلَى بَيْعِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَا ذَلِكَ، وَكَانَ مَا يَبْقَى مِنْ الْعَبْدِ رَهْنًا بِحَالِهِ، وَلَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَى رَهْنِهِ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْجَانِي وَمُرْتَهِنُهُ بِأَنْ يَكُونَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ شَرِيكًا لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي بِقَدْرِ قِيمَةِ الْجِنَايَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مُلِكَ لِلرَّاهِنِ لاَ لِلْمُرْتَهِنِ وَجُبِرَ عَلَى بَيْعِ قَدْرِ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ‏.‏

وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ عَبْدًا فَأَقَرَّ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا فِيهَا الْقَوَدُ، وَكَذَّبَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي الْقِصَاصِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا لاَ قِصَاصَ فِيهَا أَوْ خَطَأً فَإِقْرَارُ الْعَبْدِ سَاقِطٌ عَنْهُ فِي حَالِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَوْ أَقَرَّ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ أَوْ غَيْرِ الْمَرْهُونِ عَلَى عَبْدِهِ أَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا فِيهِ قِصَاصٌ فَإِقْرَارُهُ سَاقِطٌ عَنْ عَبْدِهِ إذَا أَنْكَرَ الْعَبْدُ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لاَ قِصَاصَ فِيهِ فَإِقْرَارُهُ لاَزِمٌ لِعَبْدِهِ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ فِي مَالِهِ‏.‏

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ‏:‏ وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ أَنَّ عَبْدَهُ قَدْ لَزِمَهُ جِنَايَةٌ لاَ قِصَاصَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقِرُّ فِي عَبْدِ الْمُرْتَهِنِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَإِذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ كَانَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ السَّيِّدُ بِالْجِنَايَةِ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ جِنَايَتَهُ‏.‏

الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فِيمَا فِيهِ الْعَقْلُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا جَنَى أَجْنَبِيٌّ عَلَى عَبْدٍ مَرْهُونٍ جِنَايَةً لاَ قَوَدَ فِيهَا عَلَى الْجَانِي بِحَالٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي حُرًّا فَلاَ يُقَادُ مِنْهُ لَمَمْلُوكٌ أَوْ يَكُونَ الْجَانِي أَبَ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ جَدَّهُ أَوْ أُمَّهُ أَوْ جَدَّتَهُ أَوْ يَكُونَ الْجَانِي لَمْ يَبْلُغْ أَوْ مَعْتُوهًا أَوْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ مِمَّا لاَ قَوَدَ فِيهِ بِحَالٍ مِثْلُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ أَوْ تَكُونُ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَمَالِكُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْخَصْمُ فِي الْجِنَايَةِ، وَإِنْ أَحَبَّ الْمُرْتَهِنُ حَضَرَ الْخُصُومَةَ‏.‏ وَإِذَا قُضِيَ عَلَى الْجَانِي بِالْأَرْشِ فِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ عَفْوُهَا، وَلاَ أَخْذُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ وَخُيِّرَ الرَّاهِنُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ قِصَاصًا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي فِي عُنُقِ الْعَبْدِ أَوْ يَكُونُ مَوْضُوعًا لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى يَدَيْ مَنْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ إلَى أَنْ يَحِلَّ الْحَقُّ‏.‏ وَلاَ أَحْسَبُ أَحَدًا يَعْقِلُ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ مَوْضُوعًا غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا وَسَوَاءٌ أَتَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ أَوْ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ جِنَايَةً لَهَا أَرْشٌ لاَ قَوَدَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَسَأَلَ الرَّاهِنُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِهَا كَمَا يَتْرُكُ خِدْمَةَ الْعَبْدِ وَرُكُوبَ الدَّابَّةِ الْمَرْهُونَةِ وَسُكْنَى الدَّارِ وَكِرَاءَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالدَّابَّةَ وَالدَّارَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ مَعْلُومَةٌ لاَ تَتَغَيَّرُ وَالْعَبْدُ وَالدَّابَّةُ يَنْفَعَانِ بِلاَ ضَرَرٍ عَلَيْهِمَا وَيُرَدَّانِ إلَى مُرْتَهِنِهِمَا وَالدَّارُ لاَ تَحَوُّلَ، وَلاَ ضَرَرَ فِي سَكْنِهَا عَلَى مُرْتَهِنِهَا وَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ لاَ مُؤْنَةَ فِيهَا عَلَى رَاهِنِهَا، وَلاَ مَنْفَعَةَ لَهَا إلَّا بِأَنْ تُصْرَفَ فِي غَيْرِهَا‏.‏ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ صَرْفُ الرَّهْنِ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إبْدَالُهُ، وَلاَ سَبِيلَ لَهُ إلَى إبْدَالِهَا، وَهِيَ تَخْتَلِطُ وَتُسْبَكُ، وَلاَ تُعْرَفُ عَيْنُهَا‏.‏ وَإِنْ كَانَ صُلْحًا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ كُنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ عَلَى إبِلٍ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى يَدَيْ مَنْ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ، وَعَلَى الرَّاهِنِ عَلْفُهَا وَصَلاَحُهَا، وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا وَيَنْتَفِعَ بِهَا كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي إبِلٍ لَهُ لَوْ رَهَنَهَا، وَإِنْ سَأَلَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ تُبَاعَ الْإِبِلُ فَتُجْعَلَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَعَيْنِ رَهْنِهِ إذْ رَضِيَ بِهِ، كَمَا لَوْ سَأَلَ الرَّاهِنُ إبْدَالَ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ‏.‏

وَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ مُصَالَحَةَ الْجَانِي عَلَى عَبْدِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ مَا وَجَبَ لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ وَمُصَالَحَتُهُ بِغَيْرِهِ إبْدَالٌ لَهُ كَأَنْ وَجَبَ لَهُ دَنَانِيرُ فَأَرَادَ مُصَالَحَتَهُ بِدَرَاهِمَ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَإِذَا رَضِيَ بِهِ فَمَا أَخَذَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى رَهْنِهِ فَهُوَ رَهْنٌ لَهُ‏.‏

وَإِنْ أَرَادَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ الْعَفْوَ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى عَبْدِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يُبَرِّئَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ يُوَفِّيَهُ الرَّاهِنُ حَقَّهُ مُتَطَوِّعًا بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِرَارًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَضَعَ شَيْئًا مِنْ الْجِنَايَةِ كَمَا لَوْ زَادَ الْعَبْدُ فِي يَدَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ زِيَادَتِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ مَالِكُ الْعَبْدِ الرَّاهِنِ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ جَمِيعَ حَقِّهِ فِي الْعَبْدِ حَالاً، فَإِنْ فَعَلَ فَذَلِكَ لَهُ فَإِنْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ تَرْكَ الرَّهْنِ وَأَنْ لاَ يَأْخُذَ حَقَّهُ حَالًّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَجُبِرَ عَلَى أَخْذِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ إبْطَالَ حَقِّهِ فَيَبْطُلَ إذَا أَبْطَلَهُ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْأَمَةِ الْمَرْهُونَةِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، لاَ تَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بِمَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الْأَمَةِ، وَلَيْسَ فِي الْعَبْدِ بِحَالٍ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَضْرِبَ بَطْنَهَا فَتُلْقِيَ جَنِينًا فَيُؤْخَذَ أَرْشُ الْجَنِينِ وَيَكُونَ لِمَالِكِهِ لاَ يَكُونُ مَرْهُونًا مَعَهَا، وَإِنْ نَقَصَهَا نَقْصًا لَهُ قِيمَةٌ بِلاَ جُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ يَبْقَى أَثَرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجَانِي شَيْءٌ سِوَى أَرْشُ الْجَنِينِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ الْمَحْكُومَ فِيهِ، وَإِنْ جَنَى عَلَى الْأَمَةِ جِنَايَةً لَهَا جُرْحٌ لَهُ عَقْلٌ مَعْلُومٌ أَوْ فِيهِ حُكُومَةٌ وَأَلْقَتْ جَنِينًا أُخِذَ مِنْ الْجَانِي أَرْشُ الْجُرْحِ أَوْ حُكُومَتُهُ فَكَانَ رَهْنًا مَعَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِهَا دُونَ الْجَنِينِ، وَكَانَ عَقْلُ الْجَنِينِ لِمَالِكِهَا الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الرَّهْنِ‏.‏

وَالْجِنَايَةُ عَلَى كُلِّ رَهْنٍ مِنْ الدَّوَابِّ كَهِيَ عَلَى كُلِّ رَهْنٍ مِنْ الرَّقِيقِ لاَ يَخْتَلِفُ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنَّ فِي الدَّوَابِّ مَا نَقَصَهَا وَجِرَاحُ الرَّقِيقِ فِي أَثْمَانِهِمْ كَجِرَاحِ الْأَحْرَارِ فِي دِيَاتِهِمْ، وَفِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ مَنْ جَنَى عَلَى أُنْثَى مِنْ الْبَهَائِمِ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْجَانِي عَلَيْهَا مَا نَقَصَتْهَا الْجِنَايَةُ عَنْ قِيمَتِهَا تُقَوَّمُ يَوْمَ جُنِيَ عَلَيْهَا وَحِينَ أَلْقَتْ الْجَنِينَ فَنَقَصَتْ، ثُمَّ يَغْرَمُ الْجَانِي مَا نَقَصَهَا فَيَكُونُ مَرْهُونًا مَعَهَا، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ مَكَانَهُ فَفِيهَا قَوْلاَنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْجَنِينِ حِينَ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ جَانٍ عَلَيْهِ، وَلاَ يَضْمَنُ إنْ كَانَ إلْقَاؤُهُ نَقَصَ أُمَّهُ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْجَنِينِ إلَّا أَنْ يَكُونَ جُرْحًا يَلْزَمُ عَيْبُهُ فَيَضْمَنُهُ مَعَ قِيمَةِ الْجَنِينِ كَمَا قِيلَ فِي الْأَمَةِ لاَ يَخْتَلِفَانِ‏.‏ وَالثَّانِي‏:‏ أَنَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْجَنِينِ وَمَا نَقَصَ أُمَّهُ وَيُخَالِفُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَمَةِ يَجْنِي عَلَيْهَا فَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّهُ لاَ قَوَدَ بَيْنَ الْبَهَائِمِ بِحَالٍ عَلَى جَانٍ عَلَيْهَا وَلِلْآدَمِيِّينَ قَوَدٌ عَلَى بَعْضِ مَنْ يُجْنَى عَلَيْهِمْ‏.‏

وَكُلُّ جِنَايَةٍ عَلَى رَهْنِ غَيْرِ آدَمِيٍّ، وَلاَ حَيَوَانٍ لاَ تَخْتَلِفُ سَوَاءٌ فِيمَا جَنَى عَلَى الرَّهْنِ مَا نَقَصَهُ لاَ يَخْتَلِفُ وَيَكُونُ رَهْنًا مَعَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا، وَقِيمَةُ مَا جَنَى عَلَى الرَّهْنِ غَيْرِ الْآدَمِيِّينَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ يُوجَدُ مِثْلُهُ فَيَتْلَفُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُؤْخَذُ بِمِثْلِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ حِنْطَةِ رَهْنٍ يَسْتَهْلِكُهَا رَجُلٌ فَيَضْمَنُ مِثْلَهَا، وَمِثْلُ مَا فِي مَعْنَاهَا‏.‏ وَإِنْ جَنَى عَلَى الْحِنْطَةِ الْمَرْهُونَةِ جِنَايَةً تَضُرُّ عَيْنَهَا بِأَنْ تَعَفْنَ أَوْ تَحْمَرَّ أَوْ تَسْوَدَّ ضَمِنَ مَا نَقَصَ الْحِنْطَةَ تُقَوَّمُ صَحِيحَةً غَيْرَ مَعِيبَةٍ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْجِنَايَةِ وَبِالْحَالِ الَّتِي صَارَتْ إلَيْهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يَغْرَمُ الْجَانِي مَا نَقَصَهَا مِنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ وَأَيُّ نَقْدٍ كَانَ الْأَغْلَبَ بِالْبَلَدِ الَّذِي جَنَى بِهِ جُبِرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ إنْ كَانَ الْأَغْلَبُ بِالْبَلَدِ الَّذِي جَنَى بِهِ دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ دَرَاهِمَ فَدَرَاهِمَ وَكُلُّ قِيمَةٍ فَإِنَّمَا هِيَ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ‏.‏

وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبِيدِ كُلِّهَا دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ لاَ إبِلَ، وَلاَ غَيْرَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ الْجَانِي، وَالرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ أَخْذَ إبِلٍ وَغَيْرِهَا بِمَا يَصِحُّ فَيَكُونُ مَا أَخَذَ رَهْنًا مَكَانَ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَ أَوْ مَعَهُ إنْ نَقَصَ وَيَكُونُ مَا غَرِمَ رَهْنًا مَعَ أَصْلِ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا كَمَا وَصَفْت‏.‏

وَإِذَا جَنَى الرَّاهِنُ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ كَانَتْ جِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ لاَ تَبْطُلُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَلاَ تُتْرَكُ بِنَقْصِ حَقِّ غَيْرِهِ وَيُؤْخَذُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ كَمَا يُؤْخَذُ بِهَا الْأَجْنَبِيُّ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ بَطَلَ عَنْ الْمُرْتَهِنِ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَهَكَذَا لَوْ جَنَى ابْنُ الرَّاهِنِ أَوْ أَبُوهُ أَوْ امْرَأَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ‏.‏

وَلَوْ جَنَى عَبْدٌ لِلرَّاهِنِ غَيْرُ مَرْهُونٍ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ خُيِّرَ الرَّاهِنُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَ عَبْدَهُ بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ مُتَطَوِّعًا أَوْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا مِنْ الْحَقِّ أَوْ يُبَاعُ عَبْدُهُ فَيُؤَدَّى أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَرْهُونِ فَيَكُونُ رَهْنًا مَعَهُ، وَلاَ تَبْطُلُ الْجِنَايَةُ عَلَى عَبْدِهِ عَنْ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَقْصًا لِلرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إلَّا فِي أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ الْعَبْدَيْنِ فَيَجْنِيَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَالْجِنَايَةُ خَطَأٌ أَوْ عَمْدٌ لاَ قَوَدَ فِيهِ‏.‏ لِأَنَّ الرَّاهِنَ الْمَالِكَ لاَ يَسْتَحِقُّ مِنْ مِلْكِ عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ قَبْلَ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لاَ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْعَبْدِ الْجَانِي الْمَرْهُونِ بِالرَّهْنِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ قَبْلَ الْجِنَايَةِ فَبِهَذَا صَارَتْ الْجِنَايَةُ هَدَرًا‏.‏ وَهَكَذَا لَوْ أَنَّ رَجُلاً رَهَنَ عَبْدًا لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَرَهَنَهُ أَيْضًا عَبْدًا لَهُ آخَرَ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ بِحِنْطَةٍ مَكِيلَةٍ فَجَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَتْ الْجِنَايَةُ هَدَرًا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُسْتَحِقٌّ لَهُمَا مَعًا بِالرَّهْنِ وَالرَّاهِنُ مَالِكٌ لَهُمَا مَعًا فَحَالُهُمَا قَبْلَ الْجِنَايَةِ وَبَعْدَهَا فِي الرَّهْنِ وَالْمِلْكِ سَوَاءٌ‏.‏

وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً رَهَنَ عَبْدًا لَهُ رَجُلاً وَرَهَنَ عَبْدًا لَهُ آخَرَ رَجُلاً غَيْرَهُ فَجَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ كَجِنَايَةِ عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ مَرْهُونٍ وَيُخَيَّرُ السَّيِّدُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بِجَمِيعِ رَأْسِ جِنَايَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ فَالْعَبْدُ الْجَانِي رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِيعَ الْعَبْدُ الْجَانِي فَأُدِّيَتْ الْجِنَايَةُ، وَكَانَتْ رَهْنًا فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلٌ كَانَ رَهْنًا لِمُرْتَهِنِ الْجَانِي، وَإِنْ كَانَ فِي الْجَانِي فَضْلٌ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَشَاءَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بَيْعَهُ مَعًا بِيعَ وَرُدَّ فَضْلُهُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ السَّيِّدُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا‏.‏ وَإِنْ دَعَا أَحَدُهُمَا إلَى بَيْعِهِ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَيْعِهِ كُلِّهِ إذَا كَانَ فِي ثَمَنِ بَعْضِهِ مَا يُؤَدِّي أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَجِنَايَةُ الْمُرْتَهِنِ وَأَبِ الْمُرْتَهِنِ وَابْنِهِ مَنْ كَانَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ وَعَبْدِهِ عَلَى الرَّهْنِ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا فَشَاءَ أَنْ تَكُونَ جِنَايَتُهُ قِصَاصًا كَانَتْ، وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ فَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ الرَّاهِنُ أَخْرَجَ الْمُرْتَهِنُ قِيمَةَ جِنَايَتِهِ فَكَانَتْ مَوْضُوعَةً عَلَى يَدَيْ الْعَدْلِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ فَشَاءَ الرَّاهِنُ أَنْ يُخْرِجَ الرَّهْنَ وَأَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ يَدَيْهِ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَمْدًا تُغَيِّرُ مِنْ حَالِ الْمَوْضُوعِ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ‏.‏ وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ يَدَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ عَنْ حَالَةِ الْأَمَانَةِ إلَى حَالٍ تُخَالِفُهَا، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا فَجُنِيَ عَلَيْهِ فَسَوَاءٌ بَرِئَ الرَّاهِنُ مِمَّا فِي الْعَبْدِ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ، وَكَانَ فِي الْعَبْدِ فَضْلٌ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَبْدِ فَضْلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَرْهُونًا بِكُلِّهِ فَلاَ يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ لاَ يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ لاَ يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا كَهُوَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا عَبِيدًا مَرْهُونِينَ مَعًا لاَ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ آخِرِ الْحَقِّ‏.‏

وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً نِصْفَ عَبْدِهِ ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ الرَّاهِنُ ضَمِنَ نِصْفَ أَرْشِ جِنَايَتِهِ لِلْمُرْتَهِنِ كَمَا وَصَفْت وَبَطَلَ عَنْهُ نِصْفُ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى نِصْفَيْنِ نِصْفٌ لَهُ لاَ حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ فَلاَ يَلْزَمُهُ لِنَفْسِهِ غُرْمٌ وَنِصْفٌ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقٌّ فَلاَ يَبْطُلُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَالِكُهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ جِنَايَةً كَانَ نِصْفُهَا رَهْنًا وَنِصْفُهَا مُسَلَّمًا لِمَالِكِ الْعَبْدِ، وَلَوْ عَفَا مَالِكُ الْعَبْدِ الْجِنَايَةَ كُلَّهَا كَانَ عَفْوُهُ فِي نِصْفِهَا جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِنِصْفِهِ، وَلاَ حَقَّ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِيهِ وَعَفْوُهُ فِي النِّصْفِ الَّذِي الْمُرْتَهِنُ فِيهِ حَقٌّ مَرْدُودٌ‏.‏ وَلَوْ عَفَا الْمُرْتَهِنُ عَنْ الْجِنَايَةِ دُونَ الرَّاهِنِ كَانَ عَفْوُهُ بَاطِلاً؛ لِأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْجِنَايَةَ إنَّمَا مَلَكَهَا لِلرَّاهِنِ، وَإِنَّمَا مَلَكَ احْتِبَاسَهَا بِحَقِّهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ‏:‏ أَنَا أَجْعَلُ الْجِنَايَةَ قِصَاصًا مِنْ حَقِّي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ غَيْرُ حَالٍّ، وَإِنْ كَانَ حَالًّا كَانَ ذَلِكَ لَهُ إنْ كَانَ حَقُّهُ دَنَانِيرَ، وَقُضِيَ بِالْجِنَايَةِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَقُضِيَ بِالْجِنَايَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ مِثْلُ مَا لِلْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ قُضِيَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ دَرَاهِمُ وَالْحَقُّ عَلَى الْغَرِيمِ دَنَانِيرُ فَقَالَ‏:‏ أَجْعَلُ الْجِنَايَةَ قِصَاصًا مِنْ حَقِّي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ غَيْرُ حَقِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُضِيَ بِالْجِنَايَةِ دَرَاهِمُ وَحَقُّهُ دَنَانِيرُ أَوْ دَنَانِيرُ، وَلَهُ دَرَاهِمُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْجِنَايَةَ قِصَاصًا مِنْ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ غَيْرُ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قِصَاصًا مَا كَانَ مِثْلاً فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلاً فَلاَ يَكُونُ قِصَاصًا، وَلَوْ كَانَ حَقُّهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ إذَا لَمْ أُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ أُكْرِهْ رَبَّ الْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ بِدَنَانِيرَ طَعَامًا، وَلاَ بِطَعَامٍ دَنَانِيرَ‏.‏

وَإِذَا جَنَى عَبْدٌ عَلَى عَبْدٍ مَرْهُونٍ فَأَرَادَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْجَانِي أَنْ يُسَلِّمَهُ مُسْتَرِقًّا بِالْجِنَايَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَإِنْ يَشَاءَ الرَّاهِنُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشَأْهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَاءَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ، وَلَمْ يَشَأْهُ الرَّاهِنُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي رَقَبَتِهِ أَرْشٌ لاَ رَقَبَةُ عَبْدٍ وَرَقَبَةُ الْعَبْدِ عَرْضٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَاءَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بِالْجِنَايَةِ، وَالْجِنَايَةُ مِثْلُ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ أَكْثَرُ أَضْعَافًا وَأَبَى ذَلِكَ رَبُّ الْعَبْدِ الْجَانِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْجِنَايَةِ شَيْءٌ غَيْرُ رَقَبَتِهِ، وَإِنَّمَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ فَيَصِيرُ الْحَقُّ فِيهَا كَمَا يُبَاعُ الرَّهْنُ فَيَصِيرُ ثَمَنًا يَقْضِي مِنْهُ الْغَرِيمُ حَقَّهُ‏.‏

الرَّهْنُ الصَّغِيرُ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رحمه الله قَالَ أَصْلُ إجَازَةِ الرَّهْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ‏}‏‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى إجَازَةِ الرَّهْنِ وَلاَ أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إجَازَتِهِ‏.‏ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لاَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَالْحَدِيثُ جُمْلَةٌ عَلَى الرَّهْنِ، وَلَمْ يَخُصَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغْنَا رَهْنًا دُونَ رَهْنٍ وَاسْمُ الرَّهْنِ يَقَعُ عَلَى مَا ظَهَرَ هَلاَكُهُ وَخَفِيَ وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏:‏ «لاَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ بِشَيْءٍ» أَيْ إنْ ذَهَبَ لَمْ يَذْهَبْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُهُ افْتِكَاكَهُ، وَلاَ يَغْلَقُ فِي يَدَيْ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ أَوْصَلْته إلَيَّ فَهُوَ لِي بِمَا أَعْطَيْتُك فِيهِ، وَلاَ يُغَيِّرُ ذَلِكَ مِنْ شَرْطٍ تَشَارَطَا فِيهِ، وَلاَ غَيْرِهِ، وَالرَّهْنُ لِلرَّاهِنِ أَبَدًا حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ يَصِحُّ إخْرَاجُهُ لَهُ‏.‏ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ»‏.‏ ثُمَّ بَيَّنَهُ وَأَكَّدَهُ فَقَالَ‏:‏ «لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَغُنْمُهُ سَلاَمَتُهُ وَزِيَادَتُهُ وَغُرْمُهُ عَطَبُهُ وَنَقْصُهُ‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ كَانَ إذَا رَهَنَ رَهْنًا بِدِرْهَمٍ وَهُوَ يَسْوَى دِرْهَمًا فَهَلَكَ ذَهَبُ الدِّرْهَمِ فَلَمْ يَلْزَمْ الرَّاهِنَ كَانَ إنَّمَا هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ لاَ مَالِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ قَدْ أَخَذَ دِرْهَمًا وَذَلِكَ ثَمَنُ رَهْنِهِ فَإِذَا هَلَكَ رَهْنُهُ فَلَمْ يَرْجِعْ الْمُرْتَهِنُ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا إنَّمَا ذَهَبَ لَهُ مِثْلُ الَّذِي أَخَذَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَغُرْمُهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ لاَ عَلَى الرَّاهِنِ‏.‏ قَالَ‏:‏ وَإِذَا كَانَ غُرْمُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ لاَ مِنْ الرَّاهِنِ وَهَذَا الْقَوْلُ خِلاَفُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَلاَ أَعْلَمُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلاَفًا فِي أَنَّ الرَّهْنَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ وَأَنَّهُ إنْ أَرَادَ إخْرَاجَهُ مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ بِمَا شُرِطَ فِيهِ وَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِنَفَقَتِهِ مَا كَانَ حَيًّا وَهُوَ مُقِرُّهُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ وَمَأْخُوذٌ بِكَفَنِهِ إنْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي السُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ فَكَانَ الرَّاهِنُ دَفَعَهُ لاَ مَغْصُوبًا عَلَيْهِ، وَلاَ بَائِعًا لَهُ، وَكَانَ الرَّاهِنُ إنْ أَرَادَ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ بِالشَّرْطِ فَأَيُّ وَجْهٍ لِضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَالْحَاكِمُ يَحْكُمُ لَهُ بِحَبْسِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي شَرَطَ لَهُ مَالِكُهُ فِيهِ وَعَلَى مَالِكِهِ نَفَقَتُهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَنْ تَعَدَّى فَأَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ مَنَعَ شَيْئًا فِي يَدَيْهِ مَلَّكَهُ لِغَيْرِهِ مِمَّا مَلَّكَهُ الْمَالِكُ غَيْرَهُ مِمَّا عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ‏.‏ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ مِنْ الرَّجُلِ فَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهُ وَيَمْنَعَهُ الْبَائِعُ الْعَبْدَ فَهَذَا يُشْبِهُ الْغَصْبَ، وَالْمُرْتَهِنُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لاَ هُوَ مَالِكٌ لِلرَّهْنِ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ بَيْعًا فَمَنَعَهُ مِنْ مِلْكِهِ إيَّاهُ وَعَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَلَكَ الرَّهْنَ لِلرَّاهِنِ فَلاَ هُوَ مُتَعَدٍّ بِأَخْذِ الرَّهْنِ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلاَ بِمَنْعِهِ إيَّاهُ فَلاَ مَوْضِعَ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ حَالاَتِهِ إنَّمَا هُوَ رَجُلٌ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ عَلَى مَالِكِ الرَّهْنِ فِي الرَّهْنِ شَرْطًا حَلاَلاً لاَزِمًا اسْتَوْثَقَ فِيهِ مِنْ حَقِّهِ طَلَبُ الْمَنْفَعَةِ لِنَفْسِهِ وَالِاحْتِيَاطُ عَلَى غَرِيمِهِ لاَ مُخَاطِرًا بِالِارْتِهَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ إذَا هَلَكَ هَلَكَ حَقُّهُ كَانَ ارْتِهَانُهُ مُخَاطَرَةً إنْ سَلَّمَ الرَّهْنَ فَحَقُّهُ فِيهِ، وَإِنْ تَلِفَ تَلِفَ حَقُّهُ‏.‏ وَلَوْ كَانَ هَكَذَا كَانَ شَرًّا لِلْمُرْتَهِنِ فِي بَعْضِ حَالاَتِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ إذَا كَانَ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ وَفِي جَمِيعِ مَالِهِ لاَزِمًا أَبَدًا كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ فَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ هَلَكَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الرَّاهِنِ قَالَ، وَلَمْ نَرَ ذِمَّةَ رَجُلٍ تَبْرَأُ إلَّا بِأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى غَرِيمِهِ مَا لَهُ عَلَيْهِ أَوْ عِوَضًا مِنْهُ يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ فَيَمْلِكُ الْغَرِيمُ الْعِوَضَ وَيَبْرَأُ بِهِ غَرِيمُهُ وَيَنْقَطِعُ مَالِكُهُ عَنْهُ أَوْ يَتَطَوَّعُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِأَنْ يُبْرِئَ مِنْهُ صَاحِبَهُ وَالْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ لَيْسَا فِي وَاحِدٍ مِنْ مَعَانِي الْبَرَاءَةِ، وَلاَ الْبَوَاءِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ أَلاَ تَرَى أَنَّ أَخْذَ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ كَالِاسْتِيفَاءِ لِحَقِّهِ قُلْتُ لَوْ كَانَ اسْتِيفَاءً لِحَقِّهِ، وَكَانَ الرَّهْنُ جَارِيَةً كَانَ قَدْ مَلَكَهَا وَحَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا عَلَى الرَّاهِنِ، وَلاَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَعْطَاهُ مَا فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِأَنْ يَتَبَايَعَا فِيهَا بَيْعًا جَدِيدًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ هَذَا لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ إلَى سَنَةٍ فَيَأْخُذُهُ الْيَوْمَ بِلاَ رِضَا مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَالَ مَا هُوَ بِاسْتِيفَاءٍ‏.‏ وَلَكِنْ كَيْفَ‏؟‏ قُلْتَ إنَّهُ مُحْتَبَسٌ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ بِحَقٍّ لَهُ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ‏؟‏ فَقِيلَ لَهُ بِالْخَبَرِ، وَكَمَا يَكُونُ الْمَنْزِلُ مُحْتَبَسًا بِإِجَارَةٍ فِيهِ ثُمَّ يَتْلَفُ الْمَنْزِلُ بِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ التَّلَفِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُكْتَرِي سَلَّفَ الْكِرَاءَ رَجَعَ بِهِ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، وَكَمَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُؤَجَّرًا أَوْ الْبَعِيرُ مُكْرًى فَيَكُونُ مُحْتَبَسًا بِالشَّرْطِ، وَلاَ ضَمَانَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلاَ فِي حُرٍّ لَوْ كَانَ مُؤَجَّرًا فَهَلَكَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ إنَّمَا الرَّهْنُ وَثِيقَةٌ كَالْحَمَالَةِ فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً كَانَتْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَكَفَلَ لَهُ بِهَا جَمَاعَةٌ عِنْدَ وُجُوبِهَا أَوْ بَعْدَهُ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَكَانَ الْحُمَلاَءُ ضَامِنِينَ لَهُ كُلُّهُمْ فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ كَانَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَ الْحُمَلاَءَ كَمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَبْرَأُ ذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ آخِرَ حَقِّهِ، وَلَوْ هَلَكَ الْحُمَلاَءُ أَوْ غَابُوا لَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ حَقَّهُ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ أَصْلُ الْحَقِّ‏.‏ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ لاَ يُنْقِصُ هَلاَكُهُ، وَلاَ نُقْصَانُهُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ وَأَنَّ السُّنَّةَ الْمُبَيِّنَةَ بِأَنْ لاَ يُضْمَنَ الرَّهْنُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سُنَّةٌ كَأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ وَأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهُ بِحَقِّهِ لاَ مُتَعَدِّيًا بِحَبْسِهِ دَلاَلَةً بَيِّنَةً أَنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلُنَا فِي الرَّهْنِ إذَا كَانَ مِمَّا يَظْهَرُ هَلاَكُهُ مِثْلُ الدَّارِ وَالنَّخْلِ وَالْعَبِيدِ وَخَالَفْنَا بَعْضَهُمْ فِيمَا يَخْفَى هَلاَكُهُ مِنْ الرَّهْنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَاسْمُ الرَّهْنِ جَامِعٌ لِمَا يَظْهَرُ هَلاَكُهُ وَيَخْفَى، وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ جُمْلَةً ظَاهِرًا وَمَا كَانَ جُمْلَةً ظَاهِرًا فَهُوَ عَلَى ظُهُورِهِ وَجُمْلَتِهِ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ دَلاَلَةٌ عَمَّنْ جَاءَ عَنْهُ أَوْ يَقُولَ الْعَامَّةُ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ دُونَ عَامٍّ وَبَاطِنٌ دُونَ ظَاهِرٍ، وَلَمْ نَعْلَمْ دَلاَلَةً جَاءَتْ بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَصِيرُ إلَيْهَا‏.‏ وَلَوْ جَازَ هَذَا بِغَيْرِ دَلاَلَةٍ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الرَّهْنُ الَّذِي يَذْهَبُ بِهِ إذَا هَلَكَ هَلَكَ حَقُّ صَاحِبِهِ الْمُرْتَهِنِ الظَّاهِرُ الْهَلاَكِ؛ لِأَنَّ مَا ظَهَرَ هَلاَكُهُ فَلَيْسَ فِي مَوْضِعِ أَمَانَةٍ فَهُوَ كَالرِّضَا مِنْهُمَا بِأَنَّهُ بِمَا فِيهِ أَوْ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ‏.‏ وَأَمَّا مَا خَفِيَ هَلاَكُهُ فَرَضِيَ صَاحِبُهُ بِدَفْعِهِ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَقَدْ يَعْلَمُ أَنَّ هَلاَكَهُ خَافٍ فَقَدْ رَضِيَ فِيهِ أَمَانَتَهُ فَهُوَ أَمِينُهُ فَإِنْ هَلَكَ لَمْ يَهْلَكْ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ شَيْءٌ فَلاَ يَصِحُّ فِي هَذَا قَوْلٌ أَبَدًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا جَازَ أَنْ يَصِيرَ خَاصًّا بِلاَ دَلاَلَةٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ فِيهِ عِنْدَنَا مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ أَمَانَةٌ كُلُّهُ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ دَفْعِ صَاحِبِهِ إيَّاهُ بِرِضَاهُ وَحَقٍّ أَوْجَبَهُ فِيهِ كَالْكَفَالَةِ، وَلاَ يَعْدُو الرَّهْنُ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً فَلاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَ أَحَدٍ أَنَّ مَا ظَهَرَ وَخَفِيَ هَلاَكَهُ مِنْ الْأَمَانَةِ سَوَاءٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ أَوْ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا فَلاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَ أَحَدٍ أَنَّ مَا كَانَ مَضْمُونًا فَمَا ظَهَرَ وَخَفِيَ هَلاَكُهُ مِنْ الْمَضْمُونِ سَوَاءٌ أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ سُنَّةٌ أَوْ أَثَرٌ لاَزِمٌ لاَ مُعَارِضَ لَهُ مِثْلُهُ، وَلَيْسَ نَعْرِفُهُ مَعَ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ أَصْحَابِنَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقَدْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَعَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ فِي أَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَخَالَفْنَا بَعْضَ النَّاسِ فِي الرَّهْنِ فَقَالَ فِيهِ إذَا رَهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا بِحَقٍّ لَهُ فَالرَّهْنُ مَضْمُونٌ فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ نَظَرْنَا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَرْجِعْ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ كَأَنَّهُ فِي قَوْلِهِمْ رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلاً أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنْ هَلَكَتْ الْأَلْفُ فَمِائَةٌ بِمِائَةٍ وَهُوَ فِي التِّسْعمِائَةِ أَمِينٌ أَوْ رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلاً مِائَةً بِمِائَةٍ فَإِنْ هَلَكَتْ الْمِائَةُ فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ مِائَةً ذَهَبَتْ بِمِائَةٍ أَوْ رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلاً خَمْسِينَ دِرْهَمًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنْ هَلَكَتْ الْخَمْسُونَ ذَهَبَتْ بِخَمْسِينَ ثُمَّ رَجَعَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ بِخَمْسِينَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ عَرَضٌ يَسْوَى مَا وَصَفْنَا بِمِثْلِ هَذَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ هَذَا قَوْلٌ لاَ يَسْتَقِيمُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمْ رَهْنًا وَاحِدًا مَضْمُونًا مَرَّةً كُلَّهُ وَمَضْمُونًا مَرَّةً بَعْضَهُ وَمَرَّةً بَعْضَهُ بِمَا فِيهِ وَمَرَّةً يَرْجِعُ بِالْفَضْلِ فِيهِ فَهُوَ فِي قَوْلِكُمْ لاَ مَضْمُونًا بِمَا يُضْمَنُ بِهِ مَا ضُمِنَ؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ إنَّمَا يُضْمَنُ بِعَيْنِهِ فَإِنْ فَاتَ فَقِيمَتُهُ، وَلاَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ فَمِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ‏؟‏ فَهَذَا لاَ يُقْبَلُ إلَّا بِخَبَرٍ يَلْزَمُ النَّاسَ الْأَخْذُ بِهِ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ إلَّا تَسْلِيمُهُ‏؟‏ قَالُوا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ قُلْنَا فَهُوَ إذًا قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَكُمْ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ بِأَمَانَةٍ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ إنَّهُ مَضْمُونٌ كُلُّهُ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ جَمِيعِ مَا يُضْمَنُ مِمَّا إذَا فَاتَ فَفِيهِ قِيمَتُهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَقُلْنَا قَدْ رَوَيْتُمْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ- كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ- وَهُوَ ثَابِتٌ عِنْدَنَا بِرِوَايَةِ أَصْحَابِنَا فَقَدْ خَالَفْتُمُوهُ، وَقَالَ فَأَيْنَ‏؟‏ قُلْنَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُ قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ وَأَنْتَ تَقُولُ إنْ رَهَنَهُ أَلْفًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمِائَةٌ بِمِائَةٍ وَهُوَ فِي التِّسْعِمِائَةِ أَمِينٌ وَاَلَّذِي رَوَيْت عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِيهِ أَنَّ الرَّاهِنَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِتِسْعِمِائَةٍ‏.‏ قَالَ فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ‏.‏ قُلْنَا فَأَنْتَ أَيْضًا تُخَالِفُهُ قَالَ وَأَيْنَ‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ أَنْتَ تَقُولُ إنْ رَهَنَهُ مِائَةً بِأَلْفٍ أَوْ خَاتَمًا يَسْوَى دِرْهَمًا بِعَشَرَةٍ فَهَلَكَ الرَّهْنُ رَجَعَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ بِتِسْعِمِائَةٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَبِتِسْعَةٍ فِي الْخَاتَمِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَشُرَيْحٌ لاَ يَرُدُّ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِحَالٍ‏.‏ فَقَالَ‏:‏ فَقَدْ رَوَى مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ رَجُلاً رَهَنَ رَجُلاً فَرَسًا فَهَلَكَ الْفَرَسُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ حَقُّك‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَقِيلَ لَهُ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ زَعَمَ الْحَسَنُ كَذَا ثُمَّ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ قَالَ إبْرَاهِيمُ كَانَ عَطَاءٌ يَتَعَجَّبُ مِمَّا رَوَى الْحَسَنُ وَأَخْبَرَنِي بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ الْحَسَنِ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ رَوَاهُ عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَكَتَ عَنْ الْحَسَنِ‏.‏ فَقِيلَ لَهُ أَصْحَابُ مُصْعَبٍ يَرْوُونَهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ الْحَسَنِ فَقَالَ نَعَمْ، وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَا، وَلَكِنَّ عَطَاءً مُرْسَلٌ اتَّفَقَ مِنْ الْحَسَنِ مُرْسَلٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَهْنُ هَذَا عِنْدَ عَطَاءٍ إنْ كَانَ رَوَاهُ أَنَّ عَطَاءً يُفْتِي بِخِلاَفِهِ وَيَقُولُ فِيهِ بِخِلاَفِ هَذَا كُلِّهِ وَيَقُولُ فِيمَا ظَهَرَ هَلاَكُهُ أَمَانَةٌ وَفِيمَا خَفِيَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ وَهَذَا أَثْبَتَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ يَتَرَادَّانِ مُطْلَقُهُ وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ فَلاَ نَشُكُّ أَنَّ عَطَاءً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لاَ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مُثْبَتًا عِنْدَهُ وَيَقُولُ بِخِلاَفِهِ مَعَ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا رَوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ يَرْفَعُهُ إلَّا مُصْعَبٌ وَاَلَّذِي رَوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ يَرْفَعُهُ يُوَافِقُ قَوْلَ شُرَيْحٍ إنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ قَالَ، وَكَيْفَ يُوَافِقُهُ‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ قَدْ يَكُونُ الْفَرَسُ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ وَمِثْلَهُ وَأَقَلَّ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ قِيمَةِ الْفَرَسِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ قَالَهُ رَأَى أَنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ‏.‏ قَالَ فَكَيْفَ لَمْ تَأْخُذْ بِهِ‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا لَمْ يَكُنْ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُومُ بِمِثْلِهَا حُجَّةٌ فَكَيْفَ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلاً بَيِّنًا مُفَسَّرًا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَصَمَتْنَا عَنْهَا قَالَ فَكَيْفَ قَبِلْتُمْ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُنْقَطِعًا، وَلَمْ تَقْبَلُوهُ عَنْ غَيْرِهِ‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ لاَ نَحْفَظُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ رَوَى مُنْقَطِعًا إلَّا وَجَدْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْدِيدِهِ، وَلاَ أَثَرُهُ عَنْ أَحَدٍ فِيمَا عَرَفْنَاهُ عَنْهُ إلَّا ثِقَةٌ مَعْرُوفٌ فَمَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِ قَبِلْنَا مُنْقَطِعَهُ وَرَأَيْنَا غَيْرَهُ يُسَمِّي الْمَجْهُولَ وَيُسَمِّي مَنْ يُرْغَبُ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَيُرْسِلُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ بَعْضِ مَنْ لَمْ يَلْحَقْ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُسْتَنْكَرَ الَّذِي لاَ يُوجَدُ لَهُ شَيْءٌ يُسَدِّدُهُ فَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ لِافْتِرَاقِ أَحَادِيثِهِمْ، وَلَمْ نُحَابِ أَحَدًا، وَلَكِنَّا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِالدَّلاَلَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ رِوَايَتِهِ‏.‏ وَقَدْ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ فَكَيْفَ لَمْ تَأْخُذُوا بِقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِ‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ إذَا ثَبَتَ عِنْدَنَا عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا وَعِنْدَك وَعِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ‏.‏ قَالَ‏:‏ فَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْأَعْلَى التَّغْلِبِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ شَبِيهًا بِقَوْلِنَا قُلْنَا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه بِأَنْ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ أَصَحُّ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَقَدْ رَأَيْنَا أَصْحَابَكُمْ يُضَعِّفُونَ رِوَايَةَ عَبْدِ الْأَعْلَى الَّتِي لاَ يُعَارِضُهَا مُعَارِضٌ تَضْعِيفًا شَدِيدًا فَكَيْفَ بِمَا عَارَضَهُ فِيهِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ الصِّحَّةِ وَأَوْلَى بِهَا‏؟‏‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقِيلَ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ قَدْ خَرَّجْت فِيهِ مِمَّا رَوَيْت عَنْ عَطَاءٍ يَرْفَعُهُ وَمِنْ أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَعَنْ شُرَيْحٍ وَمَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قَوْلٍ رَوَيْته عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ خِلاَفُهُ وَإِبْرَاهِيمُ لَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِيمَا زَعَمْت لاَ يَلْزَمُ قَوْلُهُ‏.‏ وَقُلْتَ قَوْلاً مُتَنَاقِضًا خَارِجًا عَنْ أَقَاوِيلِ النَّاسِ، وَلَيْسَ لِلنَّاسِ فِيهِ قَوْلٌ إلَّا، وَلَهُ وَجْهٌ، وَإِنْ ضَعُفَ إلَّا قَوْلُكُمْ فَإِنَّهُ لاَ وَجْهَ لَهُ يَقْوَى، وَلاَ يَضْعُفُ ثُمَّ لاَ تَمْتَنِعُونَ مِنْ تَضْعِيفِ مَنْ خَالَفَ قَوْلَ مَنْ قَالَ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَدْفَعْهُ أَمَانَةً، وَلاَ بَيْعًا، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ مُحْتَبِسًا بِشَيْءٍ فَإِنْ هَلَكَ تَرَادَّا فَضْلَهُ وَهَكَذَا كُلُّ مَضْمُونٍ بِعَيْنِهِ إذَا هَلَكَ ضَمِنَ مَنْ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَذَا ضَعِيفٌ إذْ كَيْفَ يَتَرَادَّانِ فَضْلَهُ وَهُوَ إنْ كَانَ كَالْبَيْعِ فَهُوَ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَبَسًا بِحَقٍّ فَمَا مَعْنَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ وَهُوَ لاَ غَصْبَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَلاَ عُدْوَانَ عَلَيْهِ فِي حَبْسِهِ وَهُوَ يُبِيحُ لَهُ حَبْسَهُ‏؟‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ‏:‏ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ أَنْ يَقُولَ قَدْ رَضِيَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي الرَّهْنِ فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَدَلِ مِنْ الْحَقِّ وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَمَا لَمْ يَتَرَاضَيَا تَبَيَّنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ إلَى أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَلَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الرَّاهِنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالسُّنَّةُ ثَابِتَةٌ عِنْدَنَا- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهَا- قُلْنَا، وَلَيْسَ مَعَ السُّنَّةِ حُجَّةٌ، وَلاَ فِيهَا إلَّا اتِّبَاعُهَا مَعَ أَنَّهَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ مُبْتَدَأً وَمَخْرَجًا‏.‏

قال‏:‏ وَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي حَكَيْنَا‏:‏ أَنْتَ أَخْطَأَتْ بِخِلاَفِ السُّنَّةِ وَأَخْطَأَتْ بِخِلاَفِك مَا قُلْت‏.‏ قَالَ‏:‏ وَأَيْنَ خَالَفْتُ مَا قُلْتُ‏؟‏ قُلْت عِبْتَ عَلَيْنَا أَنْ زَعَمْنَا أَنَّهُ أَمَانَةٌ وَحُجَّتُنَا فِيهِ مَا ذَكَرْنَا وَغَيْرُهَا مِمَّا فِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ مِنْهُ فَكَيْفَ عِبْتَ قَوْلاً قُلْتَ بِبَعْضِهِ‏؟‏ قَالَ لِي وَأَيْنَ‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ زَعَمْتَ أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ‏.‏ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا‏:‏ فَهَلْ رَأَيْت مَضْمُونًا قَطُّ بِعَيْنِهِ فَهَلَكَ إلَّا أَدَّى الَّذِي ضَمَنَهُ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ‏؟‏ قَالَ لاَ غَيْرَ الرَّهْنِ قُلْنَا فَالرَّهْنُ إذًا كَانَ عِنْدَك مَضْمُونًا لَمْ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا إذَا كَانَ يَسْوَى أَلْفًا وَهُوَ رَهْنٌ بِمِائَةٍ‏؟‏‏؟‏ لِمَ لَمْ يَضْمَنْ الْمُرْتَهِنُ تِسْعَمِائَةٍ لَوْ كَانَ مَضْمُونًا كَمَا ذَكَرْتَ‏.‏ قَالَ هُوَ فِي الْفَضْلِ أَمِينٌ‏.‏ قُلْنَا‏:‏ وَمَعْنَى الْفَضْلِ غَيْرُ مَعْنَى غَيْرِهِ‏؟‏ قَالَ نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ لَيْسَ بِرَهْنٍ‏؟‏ قَالَ إنْ قُلْتُ لَيْسَ بِرَهْنٍ‏.‏ قُلْتُ أَفَيَأْخُذُهُ مَالِكُهُ‏.‏ قَالَ‏:‏ فَلَيْسَ لِمَالِكِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يُؤَدَّى مَا فِيهِ قُلْنَا لِمَ‏؟‏ قَالَ؛ لِأَنَّهُ رَهْنٌ قُلْنَا فَهُوَ رَهْنٌ وَاحِدٌ مُحْتَبَسٌ بِحَقٍّ وَاحِدٍ بَعْضُهُ مَضْمُونٌ وَبَعْضُهُ أَمَانَةٌ‏.‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ‏.‏ قُلْنَا‏:‏ أَفَتَقْبَلُ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ مِمَّنْ يُخَالِفُك فَلَوْ قَالَ هَذَا غَيْرُك ضَعَّفْته تَضْعِيفًا شَدِيدًا فِيمَا تَرَى، وَقُلْت وَكَيْفَ يَكُونُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَدْفُوعًا بِالْأَمْرِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ أَمَانَةٌ وَبَعْضُهُ مَضْمُونٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقُلْنَا أَرَأَيْت جَارِيَةً تَسْوَى أَلْفًا رُهِنَتْ بِمِائَةٍ وَأَلْفِ دِرْهَمٍ رُهِنَتْ بِمِائَةٍ أَلَيْسَتْ الْجَارِيَةُ بِكَمَالِهَا رَهْنًا بِمِائَةٍ وَالْأَلْفُ الدِّرْهَمُ رَهْنٌ بِكَمَالِهَا بِمِائَةٍ‏؟‏ قَالَ بَلَى قُلْنَا الْكُلُّ مَرْهُونٌ مِنْهُمَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ، وَلاَ إدْخَالُ أَحَدٍ بِرَهْنٍ مَعَهُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْكُلَّ مَرْهُونٌ بِالْمِائَةِ مَدْفُوعٌ دَفْعًا وَاحِدًا بِحَقٍّ وَاحِدٍ فَلاَ يَخْلُصُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا وَعُشْرُ الْجَارِيَةِ مَضْمُونٌ وَتِسْعَةُ أَعْشَارِهَا أَمَانَةٌ وَمِائَةٌ مَضْمُونٌ وَتِسْعُمِائَةٍ أَمَانَةٌ‏؟‏ قَالَ نَعَمْ قُلْنَا فَأَيَّ شَيْءٍ عِبْتَ مِنْ قَوْلِنَا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ وَهَذَا أَنْتَ تَقُولُ فِي أَكْثَرِهِ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ‏؟‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقِيلَ لَهُ إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ دُفِعَتْ خَارِجًا تِسْعَةُ أَعْشَارِهَا مِنْ الضَّمَانِ وَالْأَلْفُ كَذَلِكَ فَمَا تَقُولُ إنْ نَقَصَتْ الْجَارِيَةُ فِي ثَمَنِهَا حَتَّى تَصِيرَ تَسْوَى مِائَةً‏؟‏ قَالَ الْجَارِيَةُ كُلُّهَا مَضْمُونَةٌ قِيلَ فَإِنْ زَادَتْ بَعْدَ النُّقْصَانِ حَتَّى صَارَتْ تَسْوَى أَلْفَيْنِ‏؟‏ قَالَ تُخْرَجُ الزِّيَادَةُ مِنْ الضَّمَانِ وَيَصِيرُ نِصْفُ عُشْرِهَا مَضْمُونًا وَتِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ عِشْرِينَ سَهْمًا غَيْرَ مَضْمُونٍ قُلْنَا ثُمَّ هَكَذَا إنْ نَقَصَتْ أَيْضًا حَتَّى صَارَتْ تَسْوَى مِائَةً‏؟‏ قَالَ نَعَمْ تَعُودُ كُلُّهَا مَضْمُونَةً قَالَ‏:‏ وَهَكَذَا جَوَارٍ وَلَوْ رُهِنَّ يَسْوِينَ عَشَرَةَ آلاَفٍ بِأَلْفٍ كَانَتْ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِنَّ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ بِضَمَانٍ وَعُشْرٌ مَضْمُونٌ عِنْدَهُ‏.‏ فَقُلْت لِبَعْضِهِمْ لَوْ قَالَ هَذَا غَيْرُكُمْ كُنْتُمْ شَبِيهًا أَنْ تَقُولُوا مَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي الْفُتْيَا وَأَنْتَ لاَ تَدْرِي مَا تَقُولُ كَيْفَ يَكُونُ رَهْنٌ وَاحِدٌ بِحَقٍّ وَاحِدٍ بَعْضُهُ أَمَانَةٌ وَبَعْضُهُ مَضْمُونٌ ثُمَّ يَزِيدُ فَيَخْرُجُ مَا كَانَ مَضْمُونًا مِنْهُ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ إنْ دَفَعَ عِنْدَكُمْ بِمِائَةٍ وَهُوَ يَسْوَى مِائَةً كَانَ مَضْمُونًا كُلَّهُ، وَإِنْ زَادَ خَرَجَ بَعْضُهُ مِنْ الضَّمَانِ ثُمَّ إنْ نَقَصَ عَادَ إلَى الضَّمَانِ‏.‏ وَزَعَمْت أَنَّهُ إنْ دَفَعَ جَارِيَةً رَهْنًا بِأَلْفٍ وَهِيَ تَسْوَى أَلْفًا فَوَلَدَتْ أَوْلاَدًا يُسَاوُونَ آلاَفًا فَالْجَارِيَةُ مَضْمُونَةٌ كُلُّهَا وَالْأَوْلاَدُ رَهْنٌ كُلُّهُمْ غَيْرُ مَضْمُونِينَ لاَ يَقْدِرُ صَاحِبُهُمْ عَلَى أَخْذِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ رَهْنٌ، وَلَيْسُوا بِمَضْمُونِينَ ثُمَّ إنْ مَاتَتْ أُمُّهُمْ صَارُوا مَضْمُونِينَ بِحِسَابٍ فَهُمْ كُلُّهُمْ مَرَّةً رَهْنٌ خَارِجُونَ مِنْ الضَّمَانِ وَمَرَّةً دَاخِلٌ بَعْضُهُمْ فِي الضَّمَانِ خَارِجٌ بَعْضٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَقِيلَ لِمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ أَقْبَحُ مِنْ قَوْلِكُمْ أَعْلَمُهُ وَأَشَدُّ تَنَاقُضًا‏.‏ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ بَعْضٍ مَنْ نُسِبَ إلَى الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَنَّهُ يَقُولُ‏:‏ لَوْ رَهَنَ الْجَارِيَةَ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَدَّى الْأَلْفَ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَقَبَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ دَعَاهُ بِالْجَارِيَةِ فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ هَلَكَتْ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ، وَكَانَتْ الْأَلْفُ مُسَلَّمَةً لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا فَقَدْ صَارُوا فِيهِ إلَى قَوْلِنَا وَتَرَكُوا جَمِيعَ قَوْلِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَنْكَرَ مِمَّا وَصَفْنَا وَمَا يُشْبِهُهُ مِمَّا سَكَتْنَا عَنْهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَقَالَ لِي قَائِلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ نَقُولُ‏:‏ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ الرَّهْنَ يَعْنِي بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بِأَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي الرَّهْنِ قُلْنَا لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى مَا قُلْت‏.‏ قَالَ‏:‏ وَكَيْفَ‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ إنَّمَا تَعَامَلاَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ عَلَى مَالِكِ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ وَثِيقَةٌ مَعَ الْحَقِّ كَمَا تَكُونُ الْحَمَالَةُ قَالَ كَأَنَّهُ بِأَنْ يَكُونَ رِضًا أَشْبَهُ‏؟‏ قُلْنَا إنَّمَا الرِّضَا بِأَنْ يَتَبَايَعَانِهِ فَيَكُونَ مِلْكًا لِلْمُرْتَهِنِ فَيَكُونَ حِينَئِذٍ رِضًا مِنْهُمَا بِهِ، وَلاَ يَعُودُ إلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ إلَّا بِتَجْدِيدِ بَيْعٍ مِنْهُ وَهَذَا فِي قَوْلِنَا، وَقَوْلِكُمْ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ فَأَيُّ رِضًا مِنْهُمَا وَهُوَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ إلَى مِلْكِ الْمُرْتَهِنِ‏؟‏ فَإِنْ قُلْت إنَّمَا يَكُونُ الرِّضَا إذَا هَلَكَ فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرِّضَا عِنْدَ الْعُقْدَةِ وَالدَّفْعِ فَالْعُقْدَةُ وَالدَّفْعُ كَانَ وَهُوَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، وَلاَ يَتَحَوَّلُ حُكْمُهُ عَمَّا دَفَعَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا وَعِنْدَك فِي كُلِّ أَمْرٍ فِيهِ عُقْدَةٌ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْعُقْدَةِ‏.‏

رَهْنُ الْمَشَاعِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ لاَ بَأْسَ بِأَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ نِصْفَ أَرْضِهِ وَنِصْفَ دَارِهِ وَسَهْمًا مِنْ أَسْهُمٍ مِنْ ذَلِكَ مَشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ إذَا كَانَ الْكُلُّ مَعْلُومًا، وَكَانَ مَا رَهَنَ مِنْهُ مَعْلُومًا، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبُيُوعِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لاَ يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا مَقْسُومًا لاَ يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ وَأَحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ‏}‏‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ قُلْنَا فَلِمَ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا مَقْسُومًا، وَقَدْ يَكُونُ مَقْبُوضًا وَهُوَ مَشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ‏؟‏ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ يَكُونُ مَقْبُوضًا وَأَنْتَ لاَ تَدْرِي أَيُّ النَّاحِيَتَيْنِ هُوَ‏؟‏، وَكَيْفَ يَكُونُ مَقْبُوضًا فِي الْعَبْدِ وَهُوَ لاَ يَتَبَعَّضُ‏؟‏ فَقُلْت كَانَ الْقَبْضُ إذَا كَانَ اسْمًا وَاحِدًا لاَ يَقَعُ عِنْدَك إلَّا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ قَالَ بَلْ هُوَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قُلْت أَوَمَا تُقْبَضُ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ وَمَا صَغَرَ بِالْيَدِ‏؟‏ وَتُقْبَضُ الدُّورُ بِدَفْعِ الْمَفَاتِيحِ وَالْأَرْضُ بِالتَّسْلِيمِ‏؟‏ قَالَ بَلَى فَقُلْت فَهَذَا مُخْتَلِفٌ قَالَ يَجْمَعُهُ كُلَّهُ أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ لاَ يُخَالِطُهُ شَيْءٌ قُلْت فَقَدْ تَرَكْت الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَقُلْت آخَرَ وَسَتَتْرُكُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏.‏ وَقُلْت فَكَأَنَّ الْقَبْضَ عِنْدَك لاَ يَقَعُ أَبَدًا إلَّا عَلَى مُنْفَصِلٍ لاَ يُخَالِطُهُ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَمَا تَقُولُ فِي نِصْفِ دَارٍ وَنِصْفِ أَرْضٍ وَنِصْفِ عَبْدٍ وَنِصْفِ سَيْفٍ اشْتَرَيْته مِنْك بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ‏؟‏ قَالَ جَائِزٌ قُلْت، وَلَيْسَ عَلَيَّ دَفْعُ الثَّمَنِ حَتَّى تَدْفَعَ إلَى مَا اشْتَرَيْت فَأَقْبِضُهُ‏؟‏ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَإِنِّي لَمَّا اشْتَرَيْت أَرَدْت نَقْضَ الْبَيْعِ فَقُلْت بَاعَنِي نِصْفَ دَارٍ مَشَاعًا لاَ أَدْرِي أَشَرْقِيَّ الدَّارِ يَقَعُ أَمْ غَرْبِيَّهَا وَنِصْفُ عَبْدٍ لاَ يَنْفَصِلُ أَبَدًا، وَلاَ يَنْقَسِمُ وَأَنْتَ لاَ تُجِيزُنِي عَلَى قَسْمِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا فَأَنَا أَفْسَخُ الْبَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَك‏.‏ قَالَ‏:‏ لَيْسَ ذَلِكَ لَك، وَقَبْضُ نِصْفِ الدَّارِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ وَنِصْفِ الْعَبْدِ وَنِصْفِ السَّيْفِ أَنْ يُسَلِّمَهُ، وَلاَ يَكُونُ دُونَهُ حَائِلٌ قُلْت أَنْتَ لاَ تُجِيزُ الْبَيْعَ إلَّا مَعْلُومًا وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ قَالَ هُوَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِعَيْنِهِ مُنْفَصِلاً فَالْكُلُّ مَعْلُومٌ وَنَصِيبُك مِنْ الْكُلِّ مَحْسُوبٌ قُلْت‏:‏ وَإِنْ كَانَ مَحْسُوبًا فَإِنِّي لاَ أَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ قَالَ‏:‏ أَنْتَ شَرِيكٌ فِي الْكُلِّ قُلْت‏:‏ فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُوضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنْفَصِلٍ وَأَنْتَ تَقُولُ فِيمَا لَيْسَ بِمُنْفَصِلٍ لاَ يَكُونُ مَقْبُوضًا فَيَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ‏.‏ وَتَقُولُ‏:‏ الْقَبْضُ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلاً قَالَ قَدْ يَكُونُ مُنْفَصِلاً وَغَيْرَ مُنْفَصِلٍ‏.‏ قُلْت، وَكَيْفَ يَكُونُ مَقْبُوضًا وَهُوَ غَيْرُ مُنْفَصِلٍ‏؟‏ قَالَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَعْلُومٌ، وَإِذَا كَانَ الْكُلُّ مَعْلُومًا فَالْبَعْضُ بِالْحِسَابِ مَعْلُومٌ قُلْت فَقَدْ تَرَكْت قَوْلَك الْأَوَّلَ وَتَرَكْت قَوْلَك الثَّانِيَ فَلِمَ إذَا كَانَ هَذَا كَمَا وَصَفْت يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ وَالْبَيْعُ لاَ يَجُوزُ إلَّا مَعْلُومًا فَجَعَلْته مَعْلُومًا وَيَتِمُّ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عِنْدَك لاَ يَتِمُّ حَتَّى يَقْضِيَ عَلَى صَاحِبِهِ بِدَفْعِ الثَّمَنِ إلَّا مَقْبُوضًا فَكَانَ هَذَا عِنْدَك قَبْضًا زَعَمْت أَنَّهُ فِي الرَّهْنِ غَيْرُ قَبْضٍ فَلاَ يَعْدُو أَنْ تَكُونَ أَخْطَأْت بِقَوْلِك لاَ يَكُونُ فِي الرَّهْنِ قَبْضًا أَوْ بِقَوْلِك يَكُونُ فِي الْبَيْعِ قَبْضًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَالْقَبْضُ اسْمٌ جَامِعٌ وَهُوَ يَقَعُ بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَيْفَ مَا كَانَ الشَّيْءُ مَعْلُومًا أَوْ كَانَ الْكُلُّ مَعْلُومًا وَالشَّيْءُ مِنْ الْكُلِّ جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنْ أَجْزَاءٍ وَسُلِّمَ حَتَّى لاَ يَكُونَ دُونَهُ حَائِلٌ فَهُوَ قَبْضٌ فَقَبْضُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالثِّيَابِ فِي مَجْلِسِ الرَّجُلِ وَالْأَرْضِ أَنْ يُؤْتَى فِي مَكَانِهَا فَتُسَلَّمُ لاَ تَحْوِيهَا يَدٌ، وَلاَ يُحِيطُ بِهَا جِدَارٌ وَالْقَبْضُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ إسْلاَفُهَا بِأَعْلاَفِهَا، وَالْعَبِيدُ تَسْلِيمُهُمْ بِحَضْرَةِ الْقَابِضِ، وَالْمَشَاعُ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ وَغَيْرِهَا أَنْ لاَ يَكُونَ دُونَهُ حَائِلٌ فَهَذَا كُلُّهُ قَبْضٌ مُخْتَلِفٌ يَجْمَعُهُ اسْمُ الْقَبْضِ، وَإِنْ تَفَرَّقَ الْفِعْلُ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَجْمَعُهُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ الْعَيْنِ وَالْكُلُّ جُزْءٌ مِنْ الْكُلِّ مَعْرُوفٌ، وَلاَ حَائِلَ دُونَهُ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ مَقْبُوضٌ وَاَلَّذِي يَكُونُ فِي الْبَيْعِ قَبْضًا يَكُونُ فِي الرَّهْنِ قَبْضًا لاَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا عِنْدَنَا مُخَالِفًا فِيمَا قُلْت مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الرَّهْنُ وَاَلَّذِي يَخْتَلِفُ لاَ يَحْتَجُّ فِيهِ بِمُتَقَدِّمٍ مِنْ أَثَرٍ فَيَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَلاَ مَعْقُولٍ فَيَغِيبُونَ فِي الِاتِّبَاعِ الَّذِي يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الْآثَارُ حَتَّى يُفَارِقُوا الْآثَارَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ؛ لاََنْ يُجَزِّئُوا الْأَشْيَاءَ زَعَمُوا عَلَى مِثَالٍ ثُمَّ تَأْتِي أَشْيَاءُ لَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهَا وَهِيَ مُجْتَمِعَةٌ بِآرَائِهِمْ وَنَحْنُ وَهُمْ نَقُولُ فِي الْآثَارِ تُتَّبَعُ كَمَا جَاءَتْ وَفِيمَا قُلْت، وَقُلْنَا بِالرَّأْيِ لاَ نَقْبَلُ إلَّا قِيَاسًا صَحِيحًا عَلَى أَثَرٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ تَبَايَعَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى شَرْطِ الرَّهْنِ وَهُوَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ فَجَائِزٌ، وَإِنْ وَضَعَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَجَائِزٌ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إخْرَاجُهُ مِنْ حَيْثُ يَضَعَانِهِ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الرِّضَا بِأَنْ يُخْرِجَاهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ خِيفَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدَيْهِ فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إنْ كَانَتْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمَانَةِ حَتَّى يَصِيرَ غَيْرَ أَمِينٍ أَنْ يُخْرِجَهُ ثُمَّ يَأْمُرَهُمَا أَنْ يَتَرَاضَيَا فَإِنْ فَعَلاَ، وَإِلَّا رَضِيَ لَهُمَا كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمَا فِيمَا لَمْ يَتَرَاضَيَا فِيهِ بِمَا لَزِمَهُمَا‏.‏ قَالَ‏:‏ وَإِنْ مَاتَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ فَكَذَلِكَ يَتَرَاضَيَانِ أَوْ يَرْضَى لَهُمَا الْقَاضِي إنْ أَبَيَا التَّرَاضِيَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَمْ يَرْضَ الرَّاهِنُ وَصِيَّةً، وَلاَ وَارِثُهُ قِيلَ لِوَارِثِهِ- إنْ كَانَ بَالِغًا أَوْ لِوَصِيِّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا-‏:‏ تَرَاضَ أَنْتَ وَصَاحِبَ الرَّهْنِ فَإِنْ فَعَلاَ، وَإِلَّا صَيَّرَهُ الْحَاكِمُ إلَى عَدْلٍ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَةِ الْوَارِثِ، وَلاَ الْوَصِيُّ‏.‏ وَلَمَّا كَانَ لِلْوَارِثِ حَقٌّ فِي احْتِبَاسِ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ كَانَ لَهُ مَا وَصَفْنَا مِنْ الرِّضَا فِيهِ إذَا كَانَ لَهُ أَمْرٌ فِي مَالِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ فَالدَّيْنُ حَالٌّ وَيُبَاعُ الرَّهْنُ فَإِنْ أَدَّى مَا فِيهِ فَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ رُدَّ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ نَقَصَ الرَّهْنُ مِنْ الدَّيْنِ رَجَعَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، وَكَانَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيمَا يَبْقَى مِنْ دَيْنِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي ثَمَنِ رَهْنِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِشَيْءٍ إنْ بَقِيَ لَهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ غَيْرُ الْمَرْهُونِ إذَا بَاعَ رَهْنَهُ فَلَمْ يَفِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَإِنْ كَانَا وَضَعَاهُ عَلَى يَدَيْ الْعَدْلِ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ فَلَهُ بَيْعُهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا مَعًا فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَإِنْ فَاتَ ضَمِنَ الْقِيمَةَ إنْ شَاءَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ، وَكَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ فَلِلرَّاهِنِ مَا بَاعَ بِهِ الرَّهْنَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ثُمَّ إنْ تَرَاضَيَا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ عَلَى يَدَيْهِ إلَى مَحِلِّ الْأَجَلِ، وَإِلَّا تَرَاضَيَا أَنْ تَكُونَ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ لِلرَّهْنِ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ خِلاَفُ الْأَمَانَةِ، وَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ بِمَا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ رَدَّ الْبَيْعَ إنْ شَاءَ فَإِنْ فَاتَ فَفِيهَا قَوْلاَنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَا بَلَغَتْ فِيهِ فَيُؤَدِّي إلَى ذِي الْحَقِّ حَقَّهُ وَيَكُونُ لِمَالِكِ الرَّهْنِ فَضْلُهَا‏.‏ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ‏:‏ يَضْمَنُ مَا حَطَّ مِمَّا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ جَازَ الْبَيْعُ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا كَانَ لاَ يَجُوزُ لَهُ بِحَالٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَحَدُّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا شَدِيدًا فِيمَا يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ وَيَخُصُّ وَيَعُمُّ فَيُدْعَى رَجُلاَنِ عَدْلاَنِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ فَقَالَ أَيَتَغَابَنُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْبَيْعِ فِي الْبَيْعِ بِمِثْلِ هَذَا‏؟‏ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ جَازَ، وَإِنْ قَالُوا‏:‏ لاَ‏.‏ رَدَّ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ فِيهِ مَا وَصَفْت‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلاَ يُلْتَفَتُ إلَى مَا يَتَغَابَنُ بِهِ غَيْرُ أَهْلِ الْبَصَرِ، وَإِلَى تَرْكِ التَّوْقِيتِ فِيمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ رَجَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ، وَكَانَ صَاحِبُهُ يَقُولُ حَدُّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ الْعَشَرَةُ ثَلاَثَةٌ فَإِنْ جَاوَزَ ثَلاَثَةً لَمْ يَتَغَابَنْ أَهْلُ الْبَصَرِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَأَهْلُ الْبَصَرِ بِالْجَوْهَرِ وَالْوَشْيِ وَعَلَيْهِ الرَّقِيقُ يَتَغَابَنُونَ بِالدِّرْهَمِ ثَلاَثَةً وَأَكْثَرَ، وَلاَ يَتَغَابَنُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالتَّمْرِ فِي كُلِّ خَمْسِينَ بِدِرْهَمٍ وَذَلِكَ لِظُهُورِهِ وَعُمُومِ الْبَصَرِ بِهِ مَعَ اخْتِلاَفِ مَا يَدِقُّ وَظُهُورِ مَا يَجِلُّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ بَاعَ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ فَهَلَكَ الثَّمَنُ مِنْهُ فَهُوَ أَمِينٌ وَالدَّيْنُ عَلَى الرَّاهِنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ اخْتَلَفَ مَالِكُ الرَّهْنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُؤْتَمَنِ وَالْبَائِعُ فَقَالَ‏:‏ بِعْت بِمِائَةٍ، وَقَالَ بِعْت بِخَمْسِينَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَمَنْ جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ أَرَادَ الَّذِي يُحَالِفُهُ يَمِينَهُ قَالَ‏:‏ وَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي الرَّهْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُكَهُ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ رَهَنْتَنِيهِ بِمِئَتَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ‏:‏ رَهَنْتُك عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ‏:‏ رَهَنْتَنِي عَبْدًا يُسَاوِي مِائَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ قَالَ مَالِكُ الْعَبْدِ‏:‏ رَهَنْتُك عَبْدِي بِمِائَةٍ أَوْ هُوَ فِي يَدَيْك وَدِيعَةً، وَقَالَ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بَلْ رَهَنْتَنِيهِ بِأَلْفٍ فِي الْحَالَيْنِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَالِكِ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَصَادَقَانِ عَلَى مِلْكِهِ وَيَدَّعِي الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ فَضْلاً عَلَى مَا كَانَ يُقِرُّ بِهِ مَالِكُهُ فِيهِ أَوْ حَقًّا فِي الرَّهْنِ لاَ يُقِرُّ بِهِ مَالِكُهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَيْسَ فِي كَيْنُونَةِ الْعَبْدِ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ دَلاَلَةٌ عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ فَضْلِ الرَّهْنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُكَهُ بِأَلْفٍ وَدَفَعْتهَا إلَيْك، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ تَدْفَعْهَا إلَى كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَلْفٍ يَدَّعِي مِنْهَا الْبَرَاءَةَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ قَالَ رَهَنْتُك عَبْدًا فَأَتْلَفْته، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ مَاتَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ، وَلاَ يُصَدَّقُ الرَّاهِنُ عَلَى تَضْمِينِهِ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ رَهَنْتُك عَبْدًا بِأَلْفٍ وَأَتْلَفْته، وَلَيْسَ بِهَذَا‏.‏ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ‏:‏ هُوَ هَذَا فَلاَ يُصَدَّقُ الرَّاهِنُ عَلَى تَضْمِينِ الْمُرْتَهِنِ الْعَبْدَ الَّذِي ادَّعَى، وَلاَ يَكُونُ الْعَبْدُ الَّذِي ادَّعَى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ رَهْنًا؛ لِأَنَّ مَالِكَ الْعَبْدِ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ رَهَنَهُ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ وَيَتَحَالَفَانِ مَعًا أَلاَ تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْأَلْفِ رَهَنْتَنِي بِهَا دَارَك، وَقَالَ صَاحِبُ الدَّارِ‏:‏ لَمْ أَرْهَنْك كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَيَجُوزُ رَهْنُ الدَّنَانِيرِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ كَانَ الرَّهْنُ مِثْلاً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقِّ، وَلَيْسَ هَذَا بِبَيْعٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا يَرْهَنُهُ فَرَهَنَهُ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ إذَا تَصَادَقَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ كَمَا يَجُوزُ لَوْ رَهَنَهُ مَالِكُ الْعَبْدِ فَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الْعَبْدِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الرَّهْنِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الرَّاهِنُ أَوْ مَالِكُ الْعَبْدِ مُتَطَوِّعًا الْحَقَّ كُلَّهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلِمَالِكِ الرَّهْنِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّاهِنَ بِافْتِكَاكِهِ لَهُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ أَعَارَهُ لَهُ بِلاَ مُدَّةٍ كَانَ ذَلِكَ مَحِلَّ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ أَعَارَهُ إيَّاهُ فَقَالَ‏:‏ ارْهَنْهُ إلَى سَنَةٍ فَفَعَلَ، وَقَالَ افْتَكَّهُ قَبْلَ السَّنَةِ فَفِيهَا قَوْلاَنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِبَيْعِ مَا لَهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ حَتَّى يُعِيدَهُ إلَيْهِ كَمَا أَخَذَهُ مِنْهُ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يَقُولَ لَوْ أَعَرْتُك عَبْدِي يَخْدُمُك سَنَةً كَانَ لِي أَخْذُهُ السَّاعَةَ، وَلَوْ أَسْلَفْتُك أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ كَانَ لِي أَخْذُهَا مِنْك السَّاعَةَ‏.‏ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ‏:‏ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إلَى السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُصَيِّرَ فِيهِ حَقًّا لِغَيْرِهِمَا فَهُوَ كَالضَّامِنِ عَنْهُ مَالاً، وَلاَ يُشَبَّهُ إذْنُهُ بِرَهْنِهِ إلَى مُدَّةِ عَارِيَّتِهِ إيَّاهُ، وَلاَ سَلَفِهِ لَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ أَعَارَهُ إيَّاهُ يَرْهَنُهُ، وَقَالَ أَذِنْت لَك فِي رَهْنِهِ بِأَلْفٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ‏:‏ أَذِنْت لِي بِأَلْفَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكِ الْعَبْدِ فِي أَنَّهُ بِأَلْفٍ وَالْأَلْفُ الثَّانِيَةُ عَلَى الرَّاهِنِ فِي مَالِهِ لِلْمُرْتَهِنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ اسْتَعَارَ رَجُلاَنِ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ فَرَهْنَاهُ مِنْ رَجُلٍ بِمِائَةٍ ثُمَّ أَتَى أَحَدُهُمَا بِخَمْسِينَ فَقَالَ هَذَا مَا يَلْزَمُنِي مِنْ الْحَقِّ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ضَامِنًا عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ اجْتَمَعَا فِي الرَّهْنِ فَإِنَّ نِصْفَهُ مَفْكُوكٌ وَنِصْفَهُ مَرْهُونٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا اسْتَعَارَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ عَبْدًا فَرَهَنَهُ بِمِائَةٍ ثُمَّ جَاءَ بِخَمْسِينَ فَقَالَ هَذِهِ فِكَاكُ حَقِّ فُلاَنٍ مِنْ الْعَبْدِ وَحَقُّ فُلاَنٍ مَرْهُونٌ فَفِيهَا قَوْلاَنِ‏.‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ لاَ يُفَكُّ إلَّا مَعًا‏.‏ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عَبْدًا لِنَفْسِهِ بِمِائَةٍ ثُمَّ جَاءَ بِتِسْعِينَ فَقَالَ فُكَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ وَاتْرُكْ الْعُشْرَ مَرْهُونًا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ مَفْكُوكًا وَذَلِكَ أَنَّهُ رَهْنٌ وَاحِدٌ بِحَقٍّ وَاحِدٍ فَلاَ يُفَكُّ إلَّا مَعًا‏.‏ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ‏:‏ أَنَّ الْمِلْكَ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ جَازَ أَنْ يَفُكَّ نِصْفَ أَحَدِهِمَا دُونَ نِصْفِ الْآخَرِ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا وَمِنْ آخَرَ عَبْدًا فَرَهَنَهُمَا جَازَ أَنْ يَفُكَّ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَالرَّجُلاَنِ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُمَا فِي وَاحِدٍ لاَ يَتَجَزَّأُ فَأَحْكَامُهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ حُكْمُ مَالِكَيْ الْعَبْدَيْنِ الْمُفْتَرِقَيْنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَوْ وَصِيِّهِ أَنْ يَرْهَنَا عَنْهُ كَمَا يَبِيعَانِ عَلَيْهِ فِيمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلِلْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَلِلْمُكَاتَبِ وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُسْتَأْمَنِ أَنْ يَرْهَنَ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَرْهَنَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ الْمُشْرِكِ وَالْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلاَ الْمُصْحَفَ وَالرَّقِيقَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّا نَكْرَهُ أَنْ يَصِيرَ الْمُسْلِمُ تَحْتَ يَدَيْ الْمُشْرِكِ بِسَبَبٍ يُشْبِهُ الرِّقَّ‏.‏ وَالرَّهْنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِقًّا فَإِنَّ الرَّقِيقَ لاَ يَمْتَنِعُ إلَّا قَلِيلاً مِنْ الذُّلِّ لِمَنْ صَارَ تَحْتَ يَدَيْهِ بِتَصْيِيرِ مَالِكِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ رَهَنَ الْعَبْدَ لَمْ نَفْسَخْهُ، وَلَكِنَّا نَكْرَهُهُ؛ لِمَا وَصَفْنَا، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ آخُذُ الرَّاهِنَ بِافْتِكَاكِهِ حَتَّى يُوَفَّى الْمُرْتَهِنُ الْمُشْرِكُ حَقَّهُ مُتَطَوِّعًا أَوْ يَصِيرَ فِي يَدَيْهِ بِمَا يَجُوزُ لَهُ ارْتِهَانُهُ فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا فَسَخْت الْبَيْعَ كَانَ مَذْهَبًا فَأَمَّا مَا سِوَاهُمْ فَلاَ بَأْسَ بِرَهْنِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ رَهَنَ الْمُصْحَفَ قُلْنَا إنْ رَضِيت أَنْ تَرُدَّ الْمُصْحَفَ وَيَكُونَ حَقُّك عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَك أَوْ تَتَرَاضَيَانِ عَلَى مَا سِوَى الْمُصْحَفِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي يَدَيْك، وَإِنْ لَمْ تَتَرَاضَيَا فَسَخْنَا الْبَيْعَ بَيْنَكُمَا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُتْرَكَ فِي يَدَيْ مُشْرِكٍ يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدَيْهِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَمَسَّهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا طَاهِرٌ وَنَهَى أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إلَى بِلاَدِ الْعَدُوِّ‏.‏

أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ وَغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَيُوقَفُ عَلَى الْمُرْتَدِّ مَالُهُ فَإِنْ رَهَنَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ الْوَقْفِ فَلاَ يَجُوزُ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَلَى حَالٍ وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ لاَ يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلاَمِ فَيَمْلِكَ مَالَهُ فَيَجُوزُ الرَّهْنُ، وَإِنْ رَهَنَهُ قَبْلَ وَقْفِ مَالِهِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ لِلْمُشْرِكِ بِبِلاَدِ الْحَرْبِ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ، وَكَمَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلاَمِ وَالذِّمَّةِ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَإِذَا قَامُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ أَوْ يُبْرِئُوهُ مِنْهَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَرْهَنَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِصَاحِبِ الْمَالِ كَانَ فِي الْمُقَارَضَةِ فَضْلٌ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا مِلْكُ الْمُقَارِضِ الرَّاهِنِ شَيْئًا مِنْ الْفَضْلِ شَرْطُهُ لَهُ إنْ سَلِمَ حَتَّى يَصِيرَ رَأْسُ مَالِ الْمُقَارَضِ إلَيْهِ أَخَذَ شَرْطَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ‏.‏ قَالَ‏:‏ وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَذِنَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنْ يَرْهَنَ الْعَبْدَ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَهُوَ كُلُّهُ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْحَقِّ لاَ يُفَكُّ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ‏.‏ وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ الرَّاهِنَ إنْ فَكَّ نَصِيبَهُ مِنْهُ فَهُوَ مَفْكُوكٌ وَيُجْبَرُ عَلَى فَكِّ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فِي الْعَبْدِ إنْ شَاءَ ذَلِكَ شَرِيكُهُ فِيهِ، وَإِنْ فَكَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ مِنْهُ فَهُوَ مَفْكُوكُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى حَقِّهِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ شَرِيكُ الْعَبْدِ لِشَرِيكِهِ فِي أَنْ يَرْهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ فَرَهَنَ الْعَبْدَ فَنِصْفُهُ مَرْهُونٌ وَنِصْفُ شَرِيكِهِ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي رَهْنِهِ مِنْ الْعَبْدِ غَيْرُ مَرْهُونٍ‏.‏ أَلاَ تَرَى أَنَّ رَجُلاً لَوْ تَعَدَّى فَرَهَنَ عَبْدَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَهْنًا، وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي النِّصْفِ الَّذِي لاَ يَمْلِكُهُ الرَّاهِنُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَيَجُوزُ رَهْنُ الِاثْنَيْنِ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلاً أَمَةً فَوَلَدَتْ أَوْ حَائِطًا فَأَثْمَرَ أَوْ مَاشِيَةً فَتَنَاتَجَتْ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ لاَ يَكُونُ وَلَدُ الْجَارِيَةِ، وَلاَ نِتَاجُ الْمَاشِيَةِ، وَلاَ ثَمَرَةُ الْحَائِطِ رَهْنًا، وَلاَ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ شَيْءٌ لَمْ يَرْهَنْهُ مَالِكُهُ قَطُّ، وَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ حَقًّا لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْوَلَدُ تَبَعًا فِي الْبُيُوعِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ لَمْ يَحْدُثْ قَطُّ إلَّا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ كَانَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ وَتَبَعًا فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ كَانَ، وَلَمْ يُولَدْ الْمَمْلُوكُ فَلَمْ يَصِرْ إلَى أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ إلَى حُكْمِ الْحَيَاةِ الظَّاهِرِ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ لِأُمِّهِ وَهُوَ تَبَعٌ لِأُمِّهِ‏.‏ وَثَمَرُ الْحَائِطِ إنَّمَا يَكُونُ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ، وَإِذَا أُبِّرَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالْعِتْقُ وَالْبَيْعُ مُخَالِفٌ لِلرَّهْنِ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ إذَا بَاعَ فَقَدْ حَوَّلَ رَقَبَةَ الْأَمَةِ وَالْحَائِطَ وَالْمَاشِيَةَ مِنْ مِلْكِهِ وَحَوَّلَهُ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ‏؟‏، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ فَقَدْ أَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ لِشَيْءٍ جَعَلَهُ اللَّهُ وَمَلَكَتْ نَفْسَهَا، وَالرَّهْنُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ مِلْكِهِ قَطُّ هُوَ فِي مِلْكِهِ بِحَالِهِ إلَّا أَنَّهُ مُحَوَّلٌ دُونَهُ بِحَقٍّ حَبَسَهُ بِهِ لِغَيْرِهِ أَجَازَهُ الْمُسْلِمُونَ كَمَا كَانَ الْعَبْدُ لَهُ، وَقَدْ أَجَّرَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَحَقَّ بِمَنْفَعَتِهِ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي شُرِطَتْ لَهُ مِنْ مَالِكِ الْعَبْدِ وَالْمِلْكُ لَهُ، وَكَمَا لَوْ آجَرَ الْأَمَةَ فَتَكُونُ مُحْتَبَسَةً عَنْهُ بِحَقٍّ فِيهَا، وَإِنْ وَلَدَتْ أَوْلاَدًا لَمْ تَدْخُلْ الْأَوْلاَدُ فِي الْإِجَارَةِ فَكَذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ الْأَوْلاَدُ فِي الرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ بِمَنْزِلَةِ ضَمَانِ الرَّجُلِ عَنْ الرَّجُلِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِي الضَّمَانِ إلَّا مَنْ أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِيهِ وَوَلَدُ الْأَمَةِ وَنِتَاجُ الْمَاشِيَةِ وَثَمَرُ الْحَائِطِ مِمَّا لَمْ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ قَطُّ‏.‏ وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَضَى فِيمَنْ ارْتَهَنَ نَخْلاً مُثْمِرًا فَلْيَحْسِبْ الْمُرْتَهِنُ ثَمَرَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ شَبِيهًا بِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَأَحْسَبُ مُطَرِّفًا قَالَهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ عَامِ حَجِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَذَا كَلاَمٌ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ فَأَظْهَرُ مَعَانِيهِ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ تَرَاضَيَا أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ رَهْنًا أَوْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا وَيَكُونَ الرَّاهِنُ سَلَّطَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ وَاقْتِضَائِهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ أَوْ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا تَرَاضَيَا أَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْمُرْتَهِنِ فَتَأَدَّاهَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ هِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لاَ لِلْمُرْتَهِنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا صَنَعُوا هَذَا مُتَقَدِّمًا فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهَا لاَ تَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ وَيُشْبِهُ هَذَا لِقَوْلِهِ مِنْ عَامِ حَجِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظُهُورِ حُكْمِهِ فَرَدَّهُمْ إلَى أَنْ لاَ تَكُونَ لِلْمُرْتَهِنِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَاهِرٌ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ وَصَارَ إلَى التَّأْوِيلِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا جَازَ عَلَيْهِ وَكُلٌّ يَحْتَمِلُ مَعْنًى لاَ يُخَالِفُ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لاَ تَكُونُ الثَّمَرَةُ رَهْنًا مَعَ الْحَائِطِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ وَكَيْفَ لاَ يَكُونُ لَهُ ظَاهِرٌ مُخَالِفٌ يَحْكُمُ بِهِ‏؟‏ قُلْت أَرَأَيْت رَجُلاً رَهَنَ رَجُلاً حَائِطًا فَأَثْمَرَ الْحَائِطُ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الثَّمَرَةِ وَحِسَابُهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَيَكُونُ بَائِعًا لِنَفْسِهِ بِلاَ تَسْلِيطٍ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّاهِنَ سَلَّطَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ أَوْ يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ قَبْلَ مَحِلِّ الدَّيْنِ، وَلاَ يُجِيزُ هَذَا أَحَدٌ عَلِمْته فَلَيْسَ وَجْهُ الْحَدِيثِ فِي هَذَا إلَّا بِالتَّأْوِيلِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ هَكَذَا كَانَ أَنْ لاَ تَكُونَ الثَّمَرَةُ رَهْنًا، وَلاَ الْوَلَدُ، وَلاَ النِّتَاجُ أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إلَّا أَنْ يَتَشَارَطَا عِنْدَ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ وَالنِّتَاجُ وَالثَّمَرُ رَهْنًا فَيُشْبِهُ أَنْ يَجُوزَ عِنْدِي، وَإِنَّمَا أَجْزَتْهُ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ مَا لاَ يَكُونُ وَهَذَا يُشْبِهُ مَعْنَى حَدِيثِ مُعَاذٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْبَيِّنِ جِدًّا كَانَ مَذْهَبًا، وَلَوْلاَ حَدِيثُ مُعَاذٍ مَا رَأَيْته يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَحَدٍ جَائِزًا‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ‏:‏ أَنَّهُ إذَا رَهَنَهُ مَاشِيَةً أَوْ نَخْلاً عَلَى أَنَّ مَا حَدَثَ مِنْ النِّتَاجِ أَوْ الثَّمَرَةِ رَهْنٌ كَانَ الرَّهْنُ بَاطِلاً؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ مَا لاَ يَعْرِفُ، وَلاَ يُضْبَطُ وَيَكُونُ، وَلاَ يَكُونُ، وَلاَ إذَا كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الثَّمَرَةُ وَالنِّتَاجُ وَوَلَدُ الْجَارِيَةِ رَهْنٌ مَعَ الْجَارِيَةِ وَالْمَاشِيَةِ وَالْحَائِطِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ وَمَا كَسَبَ الرَّهْنُ مِنْ كَسْبٍ أَوْ وُهِبَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لِمَالِكِهِ، وَلاَ يُشْبِهُ كَسْبُهُ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ ثَمَنٌ لَهُ أَوْ لِبَعْضِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا دَفَعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ إلَى الْعَدْلِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدَيْهِ لِخِدْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ أَعْتَقَهُ فَإِنَّ مُسْلِمَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ رَهْنًا فَيُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ فَإِنَّ الْعِتْقَ بَاطِلٌ أَوْ مَرْدُودٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَذَا لَهُ وَجْهٌ، وَوَجْهُهُ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ بِالْحَقِّ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ مَحُولاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ سَاعَةً يَخْدُمُهُ فَهُوَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَهُ أَبْعَدُ فَإِذَا كَانَ فِي حَالٍ لاَ يَجُوزُ لَهُ فِيهَا عِتْقُهُ وَأَبْطَلَ الْحَاكِمُ فِيهَا عِتْقَهُ ثُمَّ فَكَّهُ بَعْدُ لَمْ يُعْتَقْ بِعِتْقٍ قَدْ أَبْطَلَهُ الْحَاكِمُ‏.‏

وَقَالَ‏:‏ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ نَظَرْت فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَفِي بِقِيمَةِ الْعَبْدِ أَخَذْت قِيمَتَهُ مِنْهُ فَجَعَلْتهَا رَهْنًا وَأَنْفَذْت عِتْقَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ‏.‏ قَالَ‏:‏ وَكَذَلِكَ إنْ أَبْرَأَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَوْ قَضَاهُ فَرَجَعَ الْعَبْدُ إلَى مَالِكِهِ وَانْفَسَخَ الدَّيْنُ الَّذِي فِي عِتْقِهِ أَنَفَذْت عَلَيْهِ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ الَّتِي مَنَعْت بِهَا عِتْقَهُ حَقُّ غَيْرِهِ فِي عِتْقِهِ فَلَمَّا انْفَسَخَ ذَلِكَ أَنْفَذْت فِيهِ الْعِتْقَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ هُوَ حُرٌّ وَيَسْعَى فِي قِيمَتِهِ وَاَلَّذِي يَقُولُ هُوَ حُرٌّ يَقُولُ لَيْسَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يَبِيعَهُ وَهُوَ مَالِكٌ لَهُ، وَلاَ يَرْهَنُهُ، وَلاَ يَقْبِضُهُ سَاعَةً، وَإِذَا قِيلَ لَهُ لِمَ وَهُوَ مَالِكٌ قَدْ بَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا قَالَ فِيهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الرَّهْنِ فَقِيلَ لَهُ فَإِذَا مَنَعْته أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الرَّهْنِ بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ رَهْنًا مَكَانَهُ أَوْ قَالَ أَبِيعُهُ لاَ يَتْلَفُ ثُمَّ أَدْفَعُ الثَّمَنَ رَهْنًا فَقُلْت لاَ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ وَمَنَعْته وَهُوَ مَالِكٌ أَنْ يَرْهَنَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَأَبْطَلْت الرَّهْنَ إنْ فَعَلَ وَمَنَعْته وَهُوَ مَالِكٌ أَنْ يَخْدُمَهُ سَاعَةً، وَكَانَتْ حُجَّتُك فِيهِ أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ فِيهِ شَيْئًا لِغَيْرِهِ فَكَيْفَ أَجَزْتَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ فَيُخْرِجَهُ مِنْ الرَّهْنِ الْإِخْرَاجَ الَّذِي لاَ يَعُودُ فِيهِ أَبَدًا لَقَدْ مَنَعْته مِنْ الْأَقَلِّ وَأَعْطَيْته الْأَكْثَرَ فَإِنْ قَالَ اسْتَسْعِيهِ فَالِاسْتِسْعَاءُ أَيْضًا ظُلْمٌ لِلْعَبْدِ وَلِلْمُرْتَهِنِ‏.‏ أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ أَمَةً تُسَاوِي أُلُوفًا وَيَعْلَمُ أَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ اكْتِسَابِ نَفَقَتِهَا فِي أَيِّ شَيْءٍ تَسْعَى‏.‏ أَوْ رَأَيْت إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ إلَى أَيِّ يَوْمٍ فَأَعْتَقَهُ، وَلَعَلَّ الْعَبْدَ يَهْلَكُ، وَلاَ مَالَ لَهُ وَالْأَمَةَ فَيَبْطُلُ حَقُّ هَذَا أَوْ يَسْعَى فِيهِ مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ لَعَلَّهُ لاَ يُؤَدِّي مِنْهُ كَبِيرَ شَيْءٍ، وَلَعَلَّ الرَّاهِنَ مُفْلِسٌ لاَ يَجِدُ دِرْهَمًا فَقَدْ أَتْلَفْت حَقَّ صَاحِبِ الرَّهْنِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِرَهْنِهِ فَمَرَّةً تَجْعَلُ الدَّيْنَ يَهْلَكُ إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ زَعِيمٌ وَمَرَّةً تَنْظُرُ إلَى الَّذِي فِيهِ الدَّيْنُ فَتُجِيزُ فِيهِ عِتْقَ صَاحِبِهِ وَتُتْلِفُ فِيهِ حَقَّ الْغَرِيمِ وَهَذَا قَوْلٌ مُتَبَايِنٌ، وَإِنَّمَا يَرْتَهِنُ الرَّجُلُ بِحَقِّهِ فَيَكُونُ أَحْسَنَ حَالاً مِمَّنْ لَمْ يَرْتَهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي أَكْثَرِ قَوْلِ مَنْ قَالَ هَذَا أَسْوَأُ حَالاً مِنْ الَّذِي لَمْ يَرْتَهِنْ وَمَا شَيْءٌ أَيْسَرُ عَلَى مَنْ يَسْتَخِفُّ بِذِمَّتِهِ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ صَاحِبَ الرَّهْنِ أَنْ يُعِيرَهُ إيَّاهُ إمَّا يَخْدُمُهُ أَوْ يَرْهَنُهُ فَإِذَا أَبَى قَالَ لاَُخْرِجَنَّهُ مِنْ يَدِك فَأُعْتِقَهُ فَتَلِفَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ الرَّاهِنِ وَفَاءً‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلاَ أَدْرِي أَيَرَاهُ يَرْجِعُ بِالدَّيْنِ عَلَى الْغَرِيمِ الْمُعْتَقِ أَمْ لاَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ أَجَزْت الْعِتْقَ فِيهِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، وَلَمْ تَقُلْ مَا قَالَ فِيهِ عَطَاءٌ‏؟‏ قِيلَ لَهُ كُلُّ مَالِك يَجُوزُ عِتْقُهُ إلَّا لِعِلَّةِ حَقِّ غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ عِتْقُهُ إيَّاهُ يُتْلِفُ حَقَّ غَيْرِهِ لَمْ أُجِزْهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ يُتْلِفُ لِغَيْرِهِ حَقًّا وَكُنْت آخُذُ الْعِوَضَ مِنْهُ وَأُصَيِّرُهُ رَهْنًا كَهُوَ فَقَدْ ذَهَبَتْ الْعِلَّةُ الَّتِي بِهَا كُنْت مُبْطِلاً لِلْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَدَّى الْحَقَّ الَّذِي فِيهِ اسْتِيفَاءٌ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ إبْرَاءٌ، وَلاَ يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا، وَإِنْ رَهَنَهُ رَهْنًا فَمَا قَبَضَهُ هُوَ، وَلاَ عَدْلٌ يَضَعُهُ عَلَى يَدَيْهِ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ وَالْقَبْضُ مَا وَصَفْت فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مُخْتَلِفٌ‏.‏ قَالَ‏:‏ وَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ أَعَارَهُ إيَّاهُ أَوْ آجَرَهُ إيَّاهُ هُوَ أَوْ الْعَدْلُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا‏:‏ لاَ يُخْرِجُهُ هَذَا مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَعَارَهُ إيَّاهُ فَمَتَى شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِذَا آجَرَهُ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ يُؤَاجِرُ الرَّهْنَ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَالْإِجَارَةُ لِلْمَالِكِ فَإِذَا كَانَتْ لِلْمَالِكِ فَلِصَاحِبِ الرَّهْنِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مُنْفَسِخَةٌ وَهَكَذَا تَقُولُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ تَبَايَعَا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ فَرَهَنَهُ، وَقَبَضَ أَوْ رَهَنَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِذَا رَهَنَهُ فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ مِنْ الرَّهْنِ فَهُوَ كَالضَّمَانِ يَجُوزُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَعِنْدَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ تَبَايَعَا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ عَبْدًا فَإِذَا هُوَ حُرٌّ فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ إثْبَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَايَعَهُ عَلَى وَثِيقَةٍ فَلَمْ تَتِمَّ لَهُ، وَإِنْ تَبَايَعَا عَلَى رَهْنِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ فَالرَّهْنُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضًا‏.‏